ترجمات

الشاب ديلاكرو ونظرة مختلفة للعزلة

الناشر Brainpickings
تاريخ النشر2015/04/17
العنوان Young Delacroix on the Importance of Solitude in
Creative Work and How to Resist Social Distractions
الكاتب MARIA POPOVA

“تغذَّ بأفكار الجمال العظيمة والزاهدة التي تغذي الروح … اسعَ للعزلة”.

 Delacroix* : فنانًا رومانسيًا فرنسيًا يُعتبر منذ بداية حياته المهنية قائدًا للمدرسة الرومانسية الفرنسية ؛ بحكم أنه كان  رسامًا موهوبًا بفرشاته التعبيرية و دراسته للتأثيرات البصرية للون ، تأثر به العالم بعمق ورسم لأعمال عديدة لشكسبير وللكاتب الاسكتلندي والتر سكوت والكاتب الألماني يوهان فون غوته.


 قالت سوزان سونتاج رثاءً في المجلة التابعة لها: “لا يمكن للمرء أن ينعزل إلى الدرجة التي تمكّنه من الكتابة كما يجب”

وقال المخرج الروسي العظيم أندريه تاركوفسكى رثاءً للشباب : ” يبدو لى أن الناس الذين يشعرون بالملل وحدهم مهددون بالخطر”

وعلى الرغم من الفوائد النفسية والابتكاريّة الواسعة للملل، فقد نشأنا مذعورين منه لدرجة أننا لم نعرف -أو رفضنا أن نعرف بالكلية- أن الفن الجوهري للانعزال جزء لا يتجزأ من التأمل والعمل الإبداعي.

درس هذه المفارقة الفنان والكاتب الفرنسي الكبير والمخلص أوجين ديلاكرو (26 إبريل 1798 – 13 أغسطس 1863) ببصيرة وكياسة قبل قرنين من الوباء الذي نعيشه من الاختلاط الإجباري مع المجتمع والحساسية تجاه العزلة.

مع اقتراب عيد ميلاد ديلاكروا السادس والعشرين، بدأ في صياغة ما يمكن أن يكون موضع قلق تحديدًا لشبابه ، وهو إلحاح متزايد بالنسبة لنا اليوم وسط مطالب عصرنا الاجتماعية والانحرافات السلوكية المتزايدة أضعافًا مضاعفة- أي التحدي المتمثل في التوسط بين إغراء الحياة الاجتماعية و”العزلة المثمرة” اللازمة من أجل العمل الإبداعي-  والتي احتفى بها همنغواي* فى خطاب حصوله على جائزة نوبل.

Hemingway* :- حصل على جائزة نوبل في الأدب عام 1954، عمل صحفيًّا وروائيًّا وكاتبًا للقصة القصيرة.

 صورة شخصية للفنان Eugène Delacroix عام 1837

كاتبًا فى مجلة أُوجين ديلاكروا The Journal of Eugène Delacroix)(المكتبة العامة) فى أوائل يناير عام 1824، يخاطب الفنان الشاب نفسه مباشرةً، كما يكتب غالبًا في يومياته:


“يا رفيقي المسكين! كيف لك أن تصنع أعمالًا رائعة عندما تكون مضطرًا على الدوام إلى أن تتواصل مع كل ما هو مبتذل. فكر في مايكل أنجلو العظيم * . (شاعر النهضة العليا من مواليد فلورنسا، ومن الذين كان لهم تأثير لامثيل له على تطور الفن الغربي)، تغذَّ بأفكار الجمال العظيمة  والزاهدة التي تغذي روحك، فلطالما تُحيِّدك عن الطريق مشتتات سخيفة .اسعَ إلى العزلة.لو نظمتَ حياتك جيدًا فلن تعاني صحتك.”

بحلول نهاية شهر مارس، يصبح ديلاكروا مستهلكًا تمامًا بسبب الاستقطاب الشديد الذي تمارسه عليه الحاجتان المتنازعتان إلى الانخراط في المجتمع وإلى العزلة. ( بعدها بقرن ونصف، انتقى العظيم Wendell Berry تناقضه* Yin-Yang  انتقاءً جميلًا عندما كتب عن العزلة :”في العزلة تصبح أصوات المرء الداخلية مسموعة ويتناغم بوضوح أكبر مع الحيوات الأخرى”

Yin-Yang :- مفهوم للإزدواجية في الفلسفة الصينية القديمة، تصف القوى المعاكسة ظاهريًا في الواقع ومتكاملة ومتشابكة في العالم الطبيعي . Yin تعبر عن الظلام والسلبية والأنوثة، و  yang للضوء والإيجابية والذكورة حيث التفاعل بين الشيئين وتأثيرهم على مصائر الأشياء والمخلوقات.

في ازدرائه المتزايد لابتذال الموقف الفني العالمي ومهزلة شبكات الاتصال، وجد ديلاكرو نفسه يتعذب أضعاف ما كان بسبب هذا التناقض الكامل:

“يجب أن أعمل منفردًا، أعتقد أن الاندماج داخل المجتمع من وقت إلى آخر،  أو حتى الخروج ورؤية الناس لا يسبب الكثير من الضرر لعمل الإنسان وتقدمه الروحيّ، رغم أن الكثير ممن يُدعَوْن فنانين يقولون بنقيض ذلك. الارتباط بأشخاص من ذلك النوع أخطر بكثير؛ فحديثهم دائمًا مبتذل. يجب أن أعود إلى الانعزال، وكذلك يجب أن أحاول أن أعيش زاهدًا كما فعل أفلوطين. كيف يمكن للمرء أن يحافظ على حماسه مركَّزًا على موضوع ما وهو دائمًا يعيش تحت رحمة الآخرين ويحتاج إلى مجتمعهم باستمرار؟

الأشياء التي نجربها بأنفسنا عندما نكون وحدنا أقوى وأعذب بكثير. رغم أنَّ من السار بث مشاعر الواحد منا إلى صديق، فهناك كثير من الخطوط الرفيعة من الشعور لا يمكن التعبير عنها، ورغم احتمال أن يفهم الصديق تلك المشاعر، فهو يفعل ذلك بطريقته هو، وهكذا يضعف الانطباع  لكليهما.”

أولُ أحَد من شهر أبريل وقبل عيد ميلاده السادس والعشرين بفترة قصيرة، يعيد النظر فى الموضوع بعزم أكبر:

“كل شئ يخبرني أنَّنى بحاجة إلى أن أعيش حياة أكثرعزلة. إنَّ أجمل وأغلى لحظات حياتي تنزلق كلها فى اللهو الذي لا يجلب لي –في حقيقة الأمر- إلَّا الملل. إنَّ إمكانية أن يُقاطعني شيء ما عمَّا أفعله أوالتنبؤ المستمر بذلك يبدأ في إضعاف القوة الضئيلة التي بقيت مني بعد إهدار وقتي ليلة أمس لساعاتٍ.عندما تكون ذاكرتي خالية من أي شئ مهم تتغذى عليه، فإنها تُصاب بالهُزال ثم تموت. ودائمًا ما يستحوذ على عقلي التفكير فى التخطيط بلا طائل، ويضيع عدد لا يُحصى من الأفكار القيّمة بسبب افتقار أفكاري إلى الارتباط فيما بينها. الأفكار التافهة تُشيطُني غضبًا وتجعل عقلي بلا فائدة تُذكَر. العدو في معقلي، في أعماق قلبي، أشعر بوجوده فى كل مكان بداخلي.”

قبل عِقديْن من حُجة الفيلسوف الدانماركي كيركيغور الفريدة بشأن قيمة البطالة في صحبة المرء لذاته وقبل قرن من إصرار الفيلسوف الإنجليزي برتراند راسل على فوائد ما سماه بـ “الرتابة المثمرة”، وصَّى ديلاكرو نفسه قائلًا:

“فكّر في النعم التي تنتظرك، وليس في الفراغ المستمر الذي يدفعك إلى السعي وراء التشتت. فكر في امتلاك راحة بالٍ وذاكرةٍ قوية، في ضبط النفس الذي ستجلبه عليك الحياة المُحْسَّنَة التنظيم، في الصحة التي لا يوهِنُها الكم الهائل من التنازلات والتجاوزات التي تُفرض عليك بحكم الانخراط في مجتمع غيرك من الناس، فكِّر في الكثير والكثير من العمل دون انقطاع.”

صورة من كتاب “الوطن” الذي ألفته كارسون إليس.

مجلة أوجين ديلاكروا رائعة من كل جانب- إنها كنز دفين يحوي أكثر العقول استنارةً وابداعًا في التاريخ، تلك العقول التي تجافت جنوب أصحابها عن المضاجع من أجل التبصُّر والتبحُّر في الفن والحياة. كلمة تحذير هنا: طبعة فايدون لعام 1995 من تأليف هوبرت ويلينجتون، رغم أنها ميسورة التكلفة وأكثر توفرًا ، فإنها تُطبع على ورق رفيع للغاية لدرجة أنها شبه شفافة، ممَّا يجعل القراءة صعبة وغير ممتعة. إنَّ طبعة برينستون يونيفرستي بريس لعام 1995 التي أعدتها ميتشيل هانوش، رغم نفاد طبعتها وتكاليفها الباهظة، متفوقة إلى حد كبير – ومطبوعة بشكل مريح ، حُرِّرت بذكاء، وهي تحفة فنية حقيقية في مجال المنح الدراسية التي تعيد تجميع الوثائق المفقودة. ربما يفكر أحد الناشرين المُستَغَل ذكاؤهم في الحفاظ على التراث الثقافي في النظر إلى إعادته إلى الطباعة، للحصول على نظرة كاملة انظر لويندول بيري*   وكلامه عن اليأس والعزلة، والمحلل النفسي آدم فيليبس حول أهمية العزلة للصحة النفسية الجيدة، وسارة مايتلاند عن كيفية أن تصبح منعزلًا في عصرنا هذا الذي لا مفر فيه من العمل الجماعي .ثم ابحث عن الكُتَّاب والفنانين المشهورين بما فيهم كاتبنا Delacroix  وعن ضرورة كتابة المذكرات اليومية.

*Wendell Berry: روائي أمريكي، وشاعر، حصل على ميدالية العلوم الإنسانية الوطنية ، ومحاضر جيفرسون لعام 2012

الكلمات الدلالية
إسراء عادل
إسراء عادل
مترجمة، وباحثة.