أدب

أدب الجريمة | حين يلف الغموض كل شيء!

كم مرةً تخيلت نفسك محققًا يعرف كل شيء؟ كم مرةً تخيلت قصةً كنت البطل فيها؟ كم مرةً صافحت بطلك المفضل في مخيلتك، وكم مرةً أثنى على ذكائك وحنكتك؟ كم مرةً ظننت نفسك فيلسوفًا عظيمًا بين يديه تفسير العالم؟ كم مرة لهثت مع روايةٍ فقط لمعرفة مرتكب الجريمة… إنَّه أدب الجريمة يا سادة!

أدب الجريمة اصطلاحًا هو نوعٌ من أنواع الأدب يتفرع منه الأدب البوليسي، يقوم الكاتب فيه بتأليف روايةٍ متكاملة عن جريمة واكتشاف منفذها والدوافع التي حفزت الجاني على ارتكابها، في إطارٍ تشويقي مليئ بالإثارة والغموض.

على الرغم من أن أدب الجريمة يُكتب بأسلوبٍ عادي وغير متفنن، إلا أن له القاعدة الأكبر من القراء -وخصوصًا الشباب- لما فيه من ذكاءٍ وغموض، قسوة وعنف، وفضول يجذب القارئ إلى اكتشاف النهاية، فهو يُساعد البطل في اكتشاف خبايا القصة، بل ويحاول معرفة الحقيقة أولًا، فأحيانًا يصيب وأحيانًا أكثر يخطئ، إلا أنها تظل تجربةً ممتعةً وشيقة!

خصائص أدب الجريمة:

وإن لأدب الجريمة جزئين أساسين، الأول هو أن تبدأ القصة غالبًا بالجريمة ومنها يبدأ السرد وتسلسل الأحداث، والثاني الظروف الاجتماعية المحيطة ومفاهيمٌ كالخير والشر ومدى صحتهما والعدالة المجتمعية ومدى سلامتها.

أشهر كتاب أدب الجريمة:

كونان دويل: هو السير “آرثر كونان دويل” طبيب رمد غير ناجح ومؤلف الشخصية الأشهر في عالم الجريمة “شارلوك هولمز” وهو محقق يساعد الناس ورجال الشرطة البريطانين في حل الجرائم المستعصية عليهم، حاد الذكاء وشديد الملاحظة، كلاسيكي مائل للانعزال، عازف جيد للكمان، بوهيمي (غير منظم) ومدخن للغيلون، فارس ومجيد لفنون القتال، معارفه في الكيمياء والتشريح دقيقة ولا يكاد يعرف شيئًا عن السياسة والفلسفة!

استلهم دويل شخصية هوملز من أستاذه في الجامعة آنذاك “جوزيف بيل” الذي تمتع بالذكاء وقدرة هائلة على الاستنتاج والملاحظة. أول ظهور له كان في رواية “دراسة للون القرمزي” عام 1886 التي لاقت ترحيبًا لا بأس به من النقاد واستمر حتى وصل عدد الروايات إلى أربع روايات وعدد القصص إلى ستٍ وخمسين قصةً قصيرة.

قرر الكاتب قتل هولمز في رواية “المشكلة الأخيرة” عام 1893 عندما سقط مع عدوه اللدود مورياتي من على شلالات راينباخ، وذلك سعيًا منه إلى توفير الوقت لكتابة روايته التاريخية، وهو ما لم يقابله القراء بالترحيب وظلوا طوال ثماني سنواتٍ يطالبون دويل بإعادته للحياة وهو ما حدث بالفعل عام 1901 برواية “كلب آل باسكرفال”. ألهم شرلوك هولمز الكثير من الكتاب والأعمال الفنية أشهرها هو “المحقق كونان” وبطله سينشي كودو المولع بشرلوك هولمز.

“لا يمكن وصف ما حدث أنه مستحيل، ولهذا فعلينا جعل المستحيل ممكنًا على الرغم مما يبدو عليه.”

أجاثا كريستي – جريمة قتل على القطار السريع: هي أميرة أدب الجريمة، تطوعت إبان الحرب العاليمة الأولى للعمل في مستشفىً تابع للصليب الأحمر، ومن هنا اكتسبت درايتها بالسموم فتجد أن أغلب جرائم القتل في قصصها كانت عن طريق السم. نشرت أول أعمالها “قصة ستاليز الغامضة” ومن هنا كانت انطلاقتها الأدبية وشخصيتها الأبرز المحقق “هيركول بوارو”.

هيركول بوارو: شخص بغيض وأناني ومتملق، يتميز بذكاء حاد ولديه إحساس مرهف للكرامة، عمل شرطيًا في السابق وتقاعد ليعمل كمتحر.

جريمة قتل في قطار الشرق السريع: يضطر بوارو لركوب قطار الشرق السريع ويلتقي بالسيد راتشيت، ثري يظن أن حياته في خطر ويطلب من بوارو مساعدته، إلا أن بوارو رفض. في ليلة اليوم الثاني من الرحلة، يتوقف القطار بسبب الثلوج الكثيفة وفي صباح اليوم التالي يجدون السيد رايتشت قتيلًا، ويُطلب من بوارو التحقيق في القضية.

فيودور دوستويفسكي – الجريمة والعقاب: أعتقد عزيزي القارئ أن هذا المقال كان سينقصه الكثير لو لم نتكلم عن دوستويفيسكي! لا تتسرع بالحكم، فأنا أحب كل هؤلاء الكتاب وعشت معهم طفولتي، ولكننا هنا نتكلم عن الجريمة والدوافع الخفية وراء ارتكابها، عن الإثارة والتشويق، ومن خيرٌ من الروسي في هذا؟! دوستوفيسكي (النبي) كما يحب البعض تلقيبه، البغيض المحبوب في نفس الوقت، تكرهه لأنه يكشف خبايا نفسك السيئة ويجعلك محرجًا أمام نفسك قبل الآخرين، وتحبه لقدر المتعة التي يمنحك إياها والقدرة البارعة على التحليل النفسي، مع أسلوب فذ مطول في السرد.

الجريمة والعقاب هي من أبرز وراياته، مبنية على الصراع الداخلي للإنسان، وتتطرق إلى العدالة ومدى تطبيقها في هذا العالم، والدوافع الأخلاقية والمجتمعية لارتكاب الجريمة. في البداية ستقف على الحياد، تستمع لمبررات “راسكولينكوف” الأخلاقية في ارتكاب جريمته، ثم ستشاركه صراعه النفسي المبني على حب نفسه وكرهها في الوقت ذاته، حتى ينتهي بك الحال راسكو آخر يبرر دوافع الجريمة ويبارك على فعلها!

كما ستلاحظ أيضًا مدى تأثره بشخصية الإمبراطور “نابليون بونابرت” الذي قام بارتكاب جرائم بحق الروس وقتما احتل الأراضي الروسية وعانت حالة روسيا الاقتصادية من بعده، مدعيًا أن ذلك من أجل الصالح العام، وتساءل راسكو: لماذا إذن نجرم هذا الفعل (القتل)؟! وأقتبس من الرواية: ” إن السيد الحقيقي هو الذي ينظم مذبحةً في باريس وينسى جيشًا كاملًا في مصر وينفق نصف مليون رجل في معركة موسكو، إن هذا عند موته تقام له التماثيل، وكل شيء إذن مسموح له”!

إذًا فالجريمة للطغاة، والعقاب للضعفاء!

بدم بارد – ترومان كابوتي

أغلب روايات الجريمة تقوم على الخيال، فلو كنت تبحث عن رواية مبنية على أحداث حقيقة فهذة هي. في عام 1959 تُقتل عائلة كلاتر بدم بارد داخل منزلهم بولاية كانسيس، ومن ثم تبدأ الشرطة التحقيق في الجريمة واستجواب كل من له علاقة بالضحايا أو المشتبه فيهم. كتبها “ترومان كابوتي” بعد أن قرأ في جريدة النيويورك تايمز أن مزارعًا ثريًا وعائلته قُتلوا بالرصاص في منزلهم وتم تقييدهم وتلثيمهم، والغريب أنه لا توجد آثار للمقاومة ولا للسرقة! أثار هذا فضول كابوت فسافر على الفور إلى مسرح الأحداث وبدأ في التقصي، ولما قُبض على المجرمَين أجرى تحقيقًا معهما، وبالفعل في عام 1966 نشر الكتاب وحقق صدىً واسعٌا وتصبح الرواية واحدةً من أفضل رويات العام!

الأبناء المظلومون – جون مارس:

ماذا ستفعل لو اختفى شخص عزيز عليك لمدة خمسةٍ وعشرين عامًا ثم ظهر فجأةً في حياتك؟!

جون مارس: هو روائي وصحفي إنجليزي، يقضى أكثر من عشرين عامًا يحاور المشاهير على شبكة التيليفزيون، وله روايات مشهورة مثل السامري الصالح والوحيد.

الأولاد المظلومون: تستيقظ كاثرين ذات صباح لتلاحظ اختفاء زوجها، تظن أول الأمر أنه ذهب للجري ولكنه لم يعد، تلاحقها الديون من كل جانب وتظل على قناعة بأن زوجها سيمون قد تم قتله، ليظهر أمامها بعد خمسةٍ وعشرين سنةً من البحث!

كتابة أدب الجريمة ليست سهلة على الإطلاق؛ تتطلب الكثير والكثير من البحث والتدقيق والمخاطرة، فكما ذكرنا سابقًا فإن ترومان كابوت قضى ست سنواتٍ في كتابة روايته “بدم بارد”! أجري خلالها العديد والعديد من المقابلات، منها مقابلة مع المجرمينن نفسيهما. والكاتبة الكندية “كى جى هوي” قالت إنها عملت قبل الشروع فى كتاباتها لمدة ثلاث سنوات متواصلة على اكتشاف عوالم رجال الشرطة والمفاوضين وأسرار قضايا الخطف، بالإضافة إلى لقائها مع العديد من المجرمين لتكون صورةً كاملة عن عوالم الجريمة التى يغلفها الخوف والتشويق!

المصادر:

محمد عادل
محمد عادل
طالب بكلية الأسنان جامعة طنطا.