علوم

دور برد

– سلام عليكم
= وعليكم السلام
– ازيك يا دكتورة؟ فاكراني؟
= اه طبعا فاكراكي، دا انتِ كل كام يوم هنا.
– يا دكتورة الواد مغلبني؛ مناعته قليلة ودور البرد دا مبيخفش أبدًا، بيفضل مكمل معانا طول الشتا، وكان في دكتور قالي أديله دوا يقوي مناعته.
= طيب اقعدي خدي نفسك الأول واحكيلي كدا بالراحة إيه اللي حصل؟ وقوليلي آخر مرة يوسف كان كويس إمتى؟–
– الواد تعبان وتعبني معاه، الكحة بتصحي الجيران من النوم ومش عارفة أعمله إيه، جربت معاه كل حاجة.. هو الأسبوع اللي فات كان كويس خالص بس أخوه كان تعبان وبيرشح وعنده كحة وهو كان نايم على نفس السرير معاه، صحي الصبح تعبان ومزكم وحرارته عالية ومناخيره سايبة على آخرها.
= عملتي إيه لما دا حصل؟
رحت علطول كشفت عليه يا دكتورة، أصل أنا مش بحب أتأخر على عيالي، لازم أروح ألحقهم بالدوا أول ما الدور يبدأ. كشفت عند الدكتور هاني بتاع الصيدلية يا دكتورة هو اللي بيجيب من الآخر، دا شاطر والبلد كلها بتكشف عنده. قالي عنده دور برد واداني أدوية كتير بس بسم الله ما شاء الله الواد خف والحرارة نزلت وبقا زي الفل من أول يوم.
= وريني كدا إيه الأدوية ؟
الدكتور هاني قالي لازم ياخد حقنتين مضاد حيوي الحقنة بخمسين جنيه والله يا دكتورة، بس أنا مبستخسرش في ولادي حاجة، جبتهم واديتهمله واداني دوا مكتوب عليه ضد البرد ودوا تاني ضد الكحة، خدي يا دكتورة شوفيهم.


تبدأ الأم بعد ذلك في إخراج بضعة أدوية لا مفر من احتوائها على المضاد الحيوي، وأدوية مضادة لأعراض البرد، وتكرر شكواها المؤرقة مرارًا وتكرارًا من السعال، والذي عادةً ما يستمر لأسبوع أو أكثر بعد هدوء باقي الأعراض. وتستمر في مديح وصفة الصيدلية لعلاج الدور ومدى كفاءة وفعالية تلك الأدوية في القضاء على الأعراض من اليوم الأول. وتبدأ في رجاء الطبيب بأن يصف لها دواء ذو فعالية عالية في علاج السعال مهما يكن ثمنه غاليًا، وهي لا تدري بأن جميع الأدوية المضادة للسعال هي منتجات تجارية لم تثبت فعاليتها طبيًا بكثير من الأبحاث العلمية في هذا المجال.  

ما سبق كان مجرد نموذج لحديث يتكرر يوميًّا عشرات المرات في وحدات الرعاية الصحية الأولية والمراكز الطبية في جميع أنحاء الجمهورية، والتي يقوم أطباء التكليف بالعمل بها مباشرة بعد التخرج، أمٌّ مهملة أحيانًا وشديدة الحرص أحيانًا أخرى، تكون محقة في قلقها أحيانًا ومتوهمة أحيانًا أخرى، لا تلجأ إلى الطبيب إلا بعد استشارة جيرانها وأصدقائها والكواهل من أفراد عائلتها وطبيب الصيدلية.

يمكن من هذا الحوار -الذي لا يستغرق أكثر من أربع دقائق في العموم- أن نتقصى مدى تدني الوعي الصحي في مجتمعنا، ومدى هلع الأمهات ونفاذ صبرهن وغياب أبسط المعلومات الصحية الخاصة بطفلها، ويمكن أيضًا أن نستخرج عشرات الأخطاء الطبية التي قد يقع بها زملاؤنا دون قصد.

القصة الأشهر تكون لطفل يتراوح عمره بين عدة أشهر إلى بضع سنوات، تأتي به أمه محمولًا أو على قدميه، للوهلة الأولى لا تحسبه مريضًا، لا تلحظ فيه إلا صوته المزكوم وسعاله بين الفينة والأخرى، تبدأ الأعراض سريعة شديدة خلال يومين على الأكثر، ثم لا تلبث أن تهدأ حدتها سريعًا أيضًا مخلفة ورائها بعضًا من الزكام واحتقان الأنف، وبالطبع السعال عدو الأمهات الأول.

عزيزتي الأم، أود طمأنتك بأن تلك النزلات يمكنك التعامل معها بمفردك دون الحاجة لزيارة الطبيب، ولكن إذا ظهرت أعراض أخرى أو كان الدور غير مطابق حينها عليك استشارة الطبيب.

وهناك بضعة حقائق طبية ننقلها إليك تخص ما يصيب طفلك من نزلات البرد الفيروسية، والتي تتكرر بشكل يثير جنونك خاصة في فصل الشتاء:

  • تفهَّمي جيدًا أن نزلات البرد لا تحتاج لأدوية ولا مضادات حيوية، ولكنها تحتاج منك رعاية إضافية واعتناءً بطفلك لعدة أيام، حتى تتغلب مناعته على الفيروس ويعود لحيويته. تأكدي من إعطائه كمية كافية من السوائل، وأكثري من المشروبات الدافئة المُعدَّة منزليًا كالنعناع والينسون حتى لو اضطررت إلى إعطائه أقل من ربع الكوب كل مرة، فهي أهم وأكثر فائدة من أكثر الدواء شهرة، وهي أيضًا العلاج الطبي المثبت فعاليته في علاج السعال. وتذكري أيضًا أنه لا وجود لما يسمى بمقويات المناعة غير الاهتمام بتغذية طفلك ونظافته، والتأكد من عدم إصابته بأنيميا نقص الحديد أو الديدان المعوية الشهيرة بين الأطفال.
  • أغلب نزلات البرد التي تصيب طفلك تسببها فيروسات، تحد نفسها ذاتيًّا دون أي تدخل.
  • تبدأ الأعراض وتصل لقمة شدتها في أول يومين أو ثلاثة أيام، ثم تهدأ تدريجيًّا في الأيام التالية.
  • معظم الأطفال تحت سن السادسة يُصابون بنزلات البرد من ست إلى ثماني مرات في العام الواحد، لمدة تصل إلى أربعة عشر يوم للنزلة الواحدة.
  • بعد سن السادسة يقل عدد النزلات لتتراوح بين مرتين لأربع مرات في العام الواحد، وتقل مدة كل نزلة ليصبح أقصاها سبعة أيام.
  • لا تقلقي، فتكرار النزلات طبيعي في كل الأطفال، هذا ليس نذيرًا بنقص مناعة طفلك، وليس سببًا طبيًّا لتناول المضاد الحيوي.
  • لا تخافي من الارتفاع البسيط في درجة الحرارة، فهي دليل على أن جسم طفلك يقاوم الهجوم الفيروسي. ارتفاع الحرارة المصاحب لنزلات البرد لا ينتج عنه زيادة مدة المرض ولا  حدوث أي أضرار بالمخ. يمكنك استخدام الأدوية الخافضة للحرارة، والرأي العلمي الأرجح حاليًا بخصوص استخدام الكمادات لمساعدة خوافض الحرارة -قد يصيبك ذلك بالذهول- هو عدم وجود أي مزايا علاجية إضافية لاستخدامها بالإضافة لأنها تزيد من عدم ارتياح الطفل. ولكن إذا صممتِ على استخدامها فرجاءً إياكِ واستخدام الكحول، فهو مادة متطايرة يمتصها جلد الطفل، وإذا ارتفع مستواها بالدم فإنها تسبب له أضرارًا وخيمة.  
  • لا تستخدمي القطرات المضادة للاحتقان، فهي تعطي أثرًا محمودًا في الأيام الأولى ثم بعد ذلك يعود الاحتقان أكثر سوءًا مما بدأ، واستخدمي بدلًا منها قطرات محلول الملح وغسيل الأنف.
  • يبدأ السعال في الظهور مع بداية الأعراض، ويستمر وحيدًا لمدة قد تصل إلى أسبوعين بعد انتهاء باقي الأعراض، لا يوجد علاج سحري للسعال يجعله ينتهي في يوم واحد وبلا رجعة.
  • لا يوجد دليل طبي على فعالية مهدئات السعال ومذيبات البلغم والأدوية المضادة للبرد والاحتقان في الأطفال، فهي منتجات تجارية تناولها قد يؤدي إلى أضرار بأجهزة طفلك الحيوية دون فائدة تذكر.
  • حاولي استخدام السوائل الدافئة المحلاة بعسل النحل في تهدئة السعال، فقد ثبتت فعاليتها مقارنةً بكثير من الأدوية، وضعي أيضًا في الاعتبار استخدام بخار الماء لترطيب الهواء المحيط بطفلك، إما باستخدام جهاز خاص لترطيب الهواء أو بالجلوس أمام البخار المتصاعد من الماء الساخن.
  • نظفي الأنف وقاومي الاحتقان بتكرار غسيل الأنف، يساعد ذلك في التخلص من المخاط الزائد وتقليل أعراض الاحتقان وضيق التنفس.
  • نزلات البرد تسبب عادةً ارتفاعًا في ضغط الأذن نتيجة انسداد الأنف، مسببةً بعض الضيق وضعف السمع أحيانًا، هذا ليس دليلًا طبيًّا على التهاب الأذن الوسطى، ولكن إذا استمرت تلك الأعراض بعد انتهاء نزلة البرد قد يكون من الضروري زيارة طبيب الأنف والأذن.
  • لا تنساقي وراء من يصفون المضادات الحيوية لكل ما قد يخطر على البال من أعراض، وأعطي فرصة لمناعة طفلك كي تقاوم الفيروسات دون تدخل، فالأطفال يولدون بمناعة ضعيفة كأجسادهم، وتبدأ في النمو مع كل نزلة تنجح في التغلب عليها بمفردها، لا تشاركي في تلك الجريمة الإنسانية التي تنتج عن فرط استخدام المضادات الحيوية، بظهور سلالات جديدة من البكتيريا مقاومة لكل ما أنتجته البشرية من دواء، ولا تصدقي قول البعض بأن المضاد الحيوي يمنع من تدهور الأعراض ويحمي من حدوث عدوى بكتيرية مضاعفة للعدوى الفيروسية، فلم يثبت ذلك طبيًّا بأي دليل.
  • علمي أطفالك الحفاظ على أيديهم نظيفة، إما بغسلها بالماء والصابون، أو باستخدام المنتجات الكحولية: كالجل أوالبخاخ؛ حيث أن أغلب الفيروسات المسببة لنزلات البرد تلتصق بالأيدي والأسطح وتبقى حية لأكثر من ساعتين، وانتقال الفيروس من شخص مصاب إلى آخر سليم يتم على الأغلب عن طريق الأيدي الملوثة، أو كما هو معروف عن طريق تناثر الفيروسات مع العطس أو السعال في الهواء. لذا تأكدي من وجود تلك المنتجات معهم في كل وقت وأي مكان، واحرصي على تعليمهم الطريقة الصحيحة للسعال والعطس، وهي بتغطية الفم إما بالمناديل الورقية -ثم إلقائها في القمامة فورًا- إن كانت في متناول الطفل سريعًا، أو بوضع الكوع أمام الفم-، وتلك هي الطريقة المثلى -لتوافرها في أي وقت- وليس استخدام اليد أو إطلاقها في الهواء، *صورة* وحتى إذا استخدم الطفل يديه ينصح بغسلها فورًا بالماء والصابون لمنع انتشار الفيروس.  
  • قومي بإبقاء طفلك المريض في المنزل ليوم أو يومين للراحة الجسدية التي تساعد في انتهاء الأعراض سريعًا إذا قورنت باستكمال الأنشطة خارج المنزل.

وإلى زملائنا الصيادلة، لا نقصد الإهانة ولا التقليل من شأنكم، التشخيص والعلاج هو صميم عمل الطبيب البشري، والاختيار بين المتاح من الأدوية وتحديد الجرعات هو صميم عملكم، الالتزام بالحد الفاصل لكل مهنة يتيح لنا الحفاظ على ما تبقى من هلام المنظومة الصحية المصرية، وبالتأكيد يقلل الممارسات الطبية الخاطئة والتي قد تقلب حياة المريض رأسًا على عقب.

الكلمات الدلالية