تاريخ وسياسة

لماذا نحتاج منظمات المجتمع المدني

الطريق إلى الديمقراطية يبدأ من أين؟

تعتبر منظمات المجتمع المدنى الضلع الثالث في منظومة إنشاء المجتمعات بعد الحكومة بمؤسساتها وقوانينها، وخاصة مع انتشار الرأسمالية واعتبار القطاع الخاص الضلع الثاني في المنظومة، كما أنها تعتبر الوسيط بين الحكومة والشعب في إتمام عملية الديمقراطية، طالما أن النظام الحاكم يسمح بذلك ويراعاه كما في معظم الدول الأوروبية مثل النمسا وألمانيا.

وتقوم منظمات المجتمع المدني بمختلف الأنشطة التي تقوم حول القيم والمصالح والأهداف المشتركة؛ لذلك المجتمع بمختلف توجهاته الثقافية والاجتماعية والدينية والسياسية، ويكون دورها في المقام الأول توعوي بمختلف المبادئ التي تحمي حرية الأفراد في مختلف المجالات، كما أنها تقوم على تأهيل الأفراد للانخراط في المجتمع وخاصة الحقل السياسي؛ للحفاظ على مشروع الديمقراطية وحماية مبدأ العدالة الاجتماعية بين الجميع.

تمثل منظمات المجتمع المدني جميع المؤسسات غير الحكومية وغير الربحية، مثل الأحزاب السياسية والنقابات المهنية والعمالية والجمعيات الأهلية ومؤسسات الأبحاث العلمية غير الهادفة للربح، وتعتبر بريطانيا رائدة في إنشاء المجتمعات المدنية الحديثة مع بداية ظهور الأحزاب لأول مرة في عام 1832م، وبداية ظهور الجمعيات العمالية فيها لمحاربة الرأسمالية مع ظهور الاشتراكية، وخاصةً إعلان بيان الحزب الشيوعي عام 1848م، ومع تأثير الأفكار الاشتراكية بدأت فكرة النقابات بطابعها الدولي يأخذ منحنى جديد، والتوسع تجاه فرنسا أولًا ثم الانتشار في شرق أوروبا ودول العالم الثالث.

نشأة المجتمع المدني في مصر!

تعد مصر من أقدم الدول التي ساهمت في إنشاء المجتمع المدني، وإن كان في طابعه الظاهري فقط وليس التأثيري، وكان بداية ذلك مع تأسيس أول جمعية أهلية؛ وهي الجمعية اليونانية بالأسكندرية عام 1821م، وجمعية مصر للبحث في تاريخ الحضارة المصرية 1859م، وكانت ذات طابع ثقافي، وكذلك الجمعية الخيرية الإسلامية 1878م وجمعية المساعي الخيرية القبطية 1881م وكانتا ذات طابع ديني.

وتعد النقابات أيضًا من أقدم الجمعيات الأهلية في مصر؛ حيث شهدت البلاد نشأة أول نقابة للمحاميين عام 1876م  أمام المحاكم المختلطة، وعام 1941 ثم إنشاء ثاني نقابة للصحفيين معترف بها رسميًّا، وتلا ذلك إنشاء مختلف النقابات مثل نقابة المحاسبين والمراجعين 1955 ورابطة الأزهريين 1941.

وكان للأحزاب نصيبها من القدم حيث أٌنشئ أول حزب مصري سياسي عام 1879 وهو الحزب الوطني، وشهد عام 1907 انطلاقًا لخمسة أحزاب مصرية منها حزب الأمة وحزب الإصلاح على المبادئ الدستورية، حتى مجيء عام 1923 ونشأة أول دستور للبلاد الذى سمح بالتعددية الحزبية، وشكَّل إطارًا دستوريًّا وقانونيًّا للحياة السياسية المصرية.

التحدي الأول!

يواجه المجتمع المدني مقاومة شديدة من جانب الأنظمة الشمولية؛ التي تَعد كل مبادرات المجتمع المدني تهديدًا لسلطتها وتشكل تحديًّا لاحتكار الدولة على المجالين العام والخاص، ولأننا نقبع تحت حكم أنظمة شمولية منذ عهد محمد علي، ونشهد فترة غياب الديمقراطية التى لم نرَها إلا متلفزة في الدول الأخرى، نعرف جيدًا حجم التحدي الذى يواجه المجتمع المدني في إضافة الطابع الديمقراطي على المجتمع.

ويعتبر دستور 1923 أول من أعطى حرية قانونية لإنشاء منظمات المجتمع المدني في بابه الاول؛ المادة 21 “للمصريين الحق في تكوين الجمعيات وكيفية استعمال هذا الحق يبينها القانون”،  وبعد مجيء ثورة يوليو وسقوط الملكية بدأت الحرب تجاه منظمات المجتمع المدني بإلغاء الأحزاب يناير 1953، وتلا ذلك العديد من القرارات التي تحجم من عمل الجمعيات الأهلية والتضييق عليها، إلى أن صدر قانون بحل جميع الجمعيات الأهلية برقم 348 لسنة،1956 واعتبر القانون أن أي مخالفة له تعتبر جريمة تخضع لقانون العقوبات.

ومع تولي الرئيس السادات الحكم وبعد انتصار أكتوبر في 1973، وإعلان الرئيس السادات التوجه نحو سياسة الانفتاح عام 1974 وانفراج أزمة المجتمع المدني، زاد عدد الجمعيات الأهلية بمختلف تنوعاتها الثقافية والسياسية والدينية والاجتماعية، وتم فتح فرص الحصول على تمويل خارجي من مؤسسات معروفة، وظهور المؤسسات الحقوقية والدفاعية في مصر في مطلع الثمانينات.

ومع بدء فترة الرئيس مبارك تحولت الدولة لعدو تام لمنظمات المجتمع المدني؛ خاصةً المنظمات الحقوقية والدفاعية وفرض قانون الطوارئ الذي سمح للحكومة بالتدخل في عمل تلك المنظمات بل والتضييق عليها؛ لما كان لها من دور بارز في الدفاع عن حقوق المواطنين والمطالبة تطبيق العدالة والمساواة.

ومع ظهور قانون 84 لعام 2002 المعروف باسم قانون تنظيم عمل المؤسسات الأهلية الذي أعطى وزارة التضامن الاجتماعي الحق في المنع والمنح ومراقبة تمويلات تلك الجمعيات، ومنع ممارسة أي نشاط سياسي أو نقابي، بدأ العداء التام بين منظمات المجتمع المدني والدولة المصرية، خوفًا من إثارة تلك المؤسسات وعي الجمهور المصري تجاه الحياة السياسة في ذلك الوقت خاصةً مع تزايد مشاكل المنطقة العربية.

التحدي الثاني!

تواجه المنظمات المدنية المصرية تحديًا واسعَ التوجهات من حيث غياب المعايير الملموسة لتقييم عمل تلك المؤسسات، وغياب الأهداف الواضحة المراد تحقيقها وإن كانت معظم تلك الأهداف لا يناسب المرحلة السياسية أو الاجتماعية التي تعيشها البلاد، كما أنها تواجه تحدي غياب الكوادر والكفاءات القادرة على مواجهة التحديات ومواجهة الدولة، من أجل تحقيق مبادئ العدالة والمساواة وفرض الديمقراطية على المجتمع المصري.

كما أن المنظمات تواجه تحديًا ثقافيًّا تجاه الفئة المراد العمل عليها وزيادة وعيها حيث أن تدهور العملية التعليمية يزيد من صعوبة عمل تلك المنظمات، ويمثل الجهل أول المشاكل التي تبحث تلك المؤسسات عن حلول لإنهائه.

لماذا نحتاج منظمات المجتمع المدني؟

كما ذكرنا سابقًا أن تلك المنظمات تمثل الوسيط بين المواطنين والحكومة، وتلعب دورًا هامًّا في ربط تلك العلاقة وتماسكها من توعية المواطنين بمختلف حقوقهم المدنية والاجتماعية والسياسية، كما أنها تمثل جماعات ضغط على الحكومات الشمولية التي تسعى لتهميش الديمقراطية وخلق الطبقية المجتمعية. دور تلك المؤسسات ليس فقط العمل على التوعية؛ ولكن أيضًا خلق مناخ سياسي حر، يحقق أقصى ما يمكن من عوامل بناء مجتمع ديمقراطي متساوٍ في جميع الحقوق وتمنع من مد طغيان أي حاكم من البطش بالمواطنين أو يحاول التعدي على حقوق الشعب.

أحمد رزق
أحمد رزق
طالب بكلية الهندسة جامعة طنطا، قسم حاسبات وتحكم آلي.

اترك تعليقا