فن

بين الفن و النفس البشرية

يحكي فيلم the pianist عن عازف البيانو البولاندي فلاسيلادف شبيلمان الذي تمكن القدر أن يضيف لقصته معنى بديع كان في سياقه معزوفة من نوع آخر تصاغ بخفة في تاريخ الإنسانية، فقد كان بولندي الأصل يسكن مدينة وارسو أثناء الحرب العالمية الثانية، حينما غزت ألمانيا بولندا وانهزم الجيش البولاندي، وكان كغيره من اليهود الذين يُدفعون دفعًا إلى معسكر الإبادة في تربيلكنيا ولكن لعبت الصدفة دورها، حينما رآه صديق قديم له يهودي يعمل في شرطة الجيتو وساعده على النجاة من أن يقتل في أحد المحارق الجماعية كمصير كل أفراد أسرته، ثم عمل بالسخرة فترة لدى الألمان ثم استطاع الهرب والاختباء حتى حاصر الألمان المنزل الذي كان يختبأ به بعد أن هيأه له بعض أصدقائه، فبالكاد تمكن من الهرب وظل يتنقل بين الركام بعيدًا عن الموت المحاصر له من كل جانب بعد أن تم إخلاء المدينة من السكان باحثًا عن مأكل ومأوي.

وذات يوم عثر عليه الضابط الألماني ويليم هوزنيفيلد في بيت قديم متهدم فسأله كيف له أن يأتي إلى هنا و ماذا يفعل، حينها ظن أن الموت الذي ظل يلاحقه ويفر منه طوال تلك الليالي في سجال لا ينتهي، أصبح جسدًا ماثلًا أمام عينه، فأجاب بشفتين متيبستين بالكاد تخرج من بينهم الحروف أنه عازف بيانو، فأمره الضابط أن يسمعه شيء بنفسه، فعزف مقطوعة من ثلاث أجزاء بسيطة، في هذه اللحظة تحرك شيء ما في نفس  ويليم، وكأن الموسيقى رسالة مشفرة بأن هناك بيني وبينك لغة مشتركة تنأي عن قوانين الحرب، فبحركة أصابعي على هذه الآلة يمكننا أن يلفنا شعور واحد متناغم مع الكون من حولنا في سكون، يتجاوز زيك العسكري وملابسي الرثة، دينك وديني، أرضك وأرضي، لغتك ولغتي، يمكنني أن أمنحك القدرة على التحليق لدقائق فوق هذا الخراب الذي يشملنا، ونتلاشى ولو لدقائق معدودة من سطوة صوت الرصاص ورائحة الموت.

ثم أخبره الضابط أن يختبأ في هذا المكان إلى أن يجد له مكان غيره أكثر ملائمة، وتعهد له بالطعام كل يوم، وأعطاه معطفه يرتديه حماية له من البرد، رغم أنه يخرج من عنده ليستكمل تدابير قتل أبناء شعبه! 

استطاعت معزوفة موسيقية أن تنقذ حياة شبيلمان،  فهل بإمكان الفن أن يساعد البشر في تشكيل معنى لحيواتهم، وملامسة قيمة كامنة في نفوسهم، البحث عن جوهر غائب وإيجاد صورة ذاتية أكثر اتساقًا مع الروح والكون؟!

يقول Alberto Giacometti: «إن الفن هو النشاط الغامض، والبحث عن المستحيل، والمحاولة اليائسة للإمساك بالنار، الروح، جوهر الحياة». الفن هو الطريق الذي سلكه الإنسان منذ فجر التاريخ في رسم صورته الذاتية في التعبير عن حضوره، فردانيته، مخاوفه، وأماله، وما يؤرقه، وما يحكتم إليه من مبادئ باطنية تظلم إن حكمت إلى قانون المنفعة والمادية والعقلانية، يستطيع الفن دومًا تشكيل الصراع البشري وبحثه المحموم عن المنشأ وتساؤلاته عن المصير الذي ينقاد له.

تمثل الروح نقطة التقاء محورية بين كل من الفن والدين فكلاهما يهمه الإنسان الفرد، كلاهما يناقشان ذاتية التجربة، كلاهما حينما ينغمس فيه الفرد يمسان شيئًا عميقًا في بواطنه، يستكشف بها الإنسان أن هناك شيء آخر يخفى عن الأنظار يمثل قيمته ويشكل وعيه ويضفي إليه حضوره، شيء ما مقدس ويعلو على محدودية العقل، هذا الشيء هو روحه التي لا تزال تصارع تحت وطأة عالم مادي جشع، يسلب الفرد من فردانيته، ويحوله إلى مجرد رقم في بطاقة شخصية أو مقعد في جامعة أو وظيفة حكومية.

يقول بيجوفتش: «نقيض الجمال ليس القبح وإنما الزيف»، وهنا تتجلى هذه القيمة الخفية التي تعطي لكل عمل فني قيمته، إنها الصدق، صدق الشعور وصدق التعبير عنه في بساطة بلا تكلف أو محاولة إلى خلق الفن من أجل التقييم الخارجي وتناسي أنه ليس إلا انعكاس لتجربة صادقة، تخاض لذاتها، ومن ثم يتم التفاعل معها على النحو الذي يليق بها، لأن ببساطة الصدق وحده يصل، و هنا أيضًا يشترك الفن مع الدين في جوهرهما في نقطة الصدق فهي الفرق الوحيد بين الإيمان والرياء، وهي وحدها التي تجعل لكل عمل بسيط قيمة من الناحية الدينية لأنها وحدها تمثل الحقيقة، وصدق التوجه كما تفعل مع الفن.

يمثل الفن في أحيان كثيرة محاولة لمحاكاة الجمال الرباني في هذا العالم، محاكاة واتصال وخلق صلة شعورية أصيلة بكل جمال، ولكن أحيانًا يعجز عن التعبير وإن كان لا يعجز عن الاتصال، فالنفس المتذوقة له تعجزها أحيانًا اللغة عن وصف جمال الوردة ولكن لا يحرمها عجز اللغة من الشعور بذاك الجمال، والتوحد معه وإدراك قيمته.

ومن ثم يجعل الفن النفس الإنسانية أكثر رهافة وحساسية، أكثر  قدرة على التعاطف مع البشر وتقدير كل ما هو إنساني، والشعور بقيمة الحياة وكل ما هو روحي، أكثر قدرة على إدراك وتحديد مكانتها في هذا الكون الفسيح بعيدًا عن تشاؤم العبثية، إدراك أنها في ذاتها جزء جمالي من لوحة واسعة، تمثل تجلٍ أعظم لإله جميل لا يحب إلا الجمال، و يجعلها أيضًا حية في ريعان الشباب مهما ذهب بها العمر، فكما قال كافكا: «الشخص الذي يصون قدرته على رؤية الجمال لا يشيخ أبدًا». 

هالة عادل
هالة عادل
أدرسُ الطبَ، و يحوي قَلبي شغفًا بالفنِ و الأدَبِ و الفَلسفة..