أدب

طريقة جيدة لكتابة خاتمة

في ليلة من ليالي الخريف الماضية، حيث الأشجار تتحرك مساءً قبل هبوب ريح الشتاء، والسماء تبدو رمادية متوهجة حتى حين تقترب الشمس من الغروب، والفضة تتساقط علينا زخات من حين لآخر،

يكون الشيء الوحيد الملون هو أوراق الشجر البرتقالية وبعض حبات المشمش المجفف الموضوعة على طاولة في الشرفة. على الشرفة خمسة أصص، كلها نباتات صبار يافعة، وتعلقت على جدران المنزل شجيرة ياسمين جعلت المنزل يعبق برائحته. في يوم ما قبل عشرين سنة من تلك الليلة من ليالي الخريف تم زرع تلك الياسمينة، لم يتوقع أحد منها أن تخفي المنزل عدا بابه الأمامي، لكنها فعلت بمساعدة بستاني يمر كل صباح أمام باب المنزل دون أن يلقي التحية، ودون أن يدرك أصبحت عادته الصباحية، أن يفرغ نصف قنينة الماء ويبعد بقدميه بعض الحشائش المؤذية.. ثم يغادر.

في البداية، كان المنزل خاليًا من كل شيء عدا الأثاث والياسمين والنمل والخنافس والنحل وبعض الدبابير. في الواقع، كان عامرًا بكل شيء عدا ساكنًا جيدًا لا يؤِذي أي شيء منه. استمر انتظار تلك العائلة الضخمة من الحشرات والياسمين عشرين سنة.
في تلك الليلة من ليالي الخريف الماضية دخل رجل مسن المنزل، كان يحمل صندوقين من الخشب الجيد حُشرت بداخله كل ما يمكن من ملابس

وأحذية، وكيسًا صغيرًا من السكر والسماد والماء وبعض حبات العنب، وحقيبة ضخمة خاصة بالجيش.

كان قد استلم معاشه التقاعدي ذاك الصباح. وضع كل ما حمله ثم استسلم للنوم واقفًا على الشرفة، كانت تلك من أهم مواهبه في الجيش التي تسببت له في الكثير من المواقف البطولية غير المتوقعة.

في الصباح التالي خرج باكرًا، وحين عاد كان قد وجد أن صباراته الخمس قد أحبت المكان الجديد.

– “ذاك أفضل من حقيبة من قماش الجيش. أليس كذلك؟”
قال مخاطبًا زهراته.

تذكر منظر المرأة وهي تحاول التخلص منها خفيةً في طريقِه نحو مسكنه الجديد فقرر تبنيها.

ساعدته في وضعها داخل حقيبته، وأخبرته بأن يسرع قبل أن يعود ابنها من المدرسة. كان على وشك أن يطالبها بكأس شاي لو لم تقل ذلك. حين خرج ذاك الصباح تذكرها فجأة وقال: “يا لها من هدية!”

خمس أصص لصبارات صغيرة مقابل عدم طلب الشاي…
من عادته التفكير بصوت مرتفع، ولذلك فقد سجن عدة مرات وفي العديد من الأماكن. كانت إحداها في قبو عمارة سكنية ملغمة لخمس ليالٍ دون طعام وماء سخي يسقط من السماء. حين عاد بعدها إلى المعسكر وقف أمام القائد ثم قال: “يا

إلهي! لِمَ عدت؟ كان عليّ أن أجعلهم يظنون أني متّ. لكنه هذه المرة لم يعاقَب وإنما تمت ترقيته.

إلى درجة لا يستطيع معها أن يجعلهم يظنون أنه قُتل بتلك السهولة. ولأنه أحب شيئين في الجيش وهما: الليل والنار المشتعلة. ولم يكن يستطيع إيجادهما معًا في أي مكانٍ آخر أو لأن الأمكنة الأخرى ليست كخطوط الجبهة؛ فقد قرر أن يبقى ما استطاع هناك ويقضي أكثر ما يمكنه من ليالٍ. لم يكن يغني، لكنه كان يستمع لعزف صديق قديم ونشيج آخر. تذكر كل ذلك حين وجد طفلًا يبكي لأن أمه

رمت صباراته الخمس، فقال: “لا عليك! ربما لم تصل إلى العمر الذي يناسبه البكاء.”

ذاك المساء حمل كرسيًّا صغيرًا وجلس في الشرفة، وقرر جلب ضيف صغير إلى المنزل.

أحضر قطًّا أخضر العينين، باردًا في التعامل، جامد الملامح وأسود كنمر أسود. علق عليه قائلًا: “تبدو كمَنْ ظل في الجيش طوال سنوات حياته.”

كان ذلك السبب الأكثر إذهالًا له ليجعله قطَّهُ. فكر في اسمٍ له لكنه كان يتذكر اسمين فقط: أبرهة وباقيرا.
لم يذكر من أين جاء الأول لكن حين نطق الثاني استدار القط وغادر المكان. كان يعلم أنه لو تزوج لكان لديه أحفاد يشاهدون كرتونًا، يُذكر فيه هذا الاسم لذلك فضّل الاسم الأول. ولأنه راق له دعاه به، وكانت وسيلته في معاقبة القط إنْ هو أنشب مخالبه في الأريكة هي أن يدعوه باقيرا السيء، وكان ذلك يوقفه كتهديدِ أمٍّ خفيّ لولديها خلال حفلة شاي.

كانت للعجوز عادة مسائية، يذهب إلى المطبخ الذي لم يعد فيه شيء سوى القهوة ويرمي ببلورات سكر صغيرة، وبعض حبات السمسم. يسقي زهرات معلقة على نافذة الباب ويكمل مهمة البستاني المار من أمام الباب. كان يقول أن تدخين الغليون مضر بالصحة ثم يبدأ في التدخين! ويكمل:-
“لكني سأموت غدًا أو بعد غد.”

وكل يوم كان يتزايد شعوره بأنه كان سيئًا مع القط بقدر ما كان سيئًا مع نفسه. وفي حوارٍ صغير من قطِّهِ الذي كان دائمًا من جانب واحد، قال: “حين أموت لن يعرف أحد غيرك، لذلك ما أريده منك هو ألا تموت جوعًا.”

في إحدى نوباته القلبية ذهب مباشرةً إلى صندوق طعام القط ليتأكد من وجود الطعام أم لا. ثم قرر

بعد انتهاء النوبة أن يترك الدرج المخصص لطعام القط مفتوحًا. وكان يملؤه في كل مرة تنتهي علبة واحدة من العلب الخمس التي يتسع لها الدرج. كانت له وجبة واحدة يوميًّا يتناولها ظهرًا كما كان يفعل في الجندية. كانت شطيرة من شطائر سيد قديم يبيعها عند طرف الشارع. مرة قال له: أتعرف؟

الشيء الوحيد الذي يجعلني أفتح محلي في وقت كهذا، هو أني أعرف أنك ستتضور جوعًا طوال اليوم ما لم أفعل. ضحكا كلاهما ثم غادرا كلاهما، هو إلى جولة سريعة على قدميه والبائع إلى قيلولته.

بعد خمسة عشر سنة من نفس الروتين.. أو هكذا كان يبدو لجارةٍ متلصصة، فكر في تقديم هدية لامرأة يعرفها. ثم ذهب إلى الشرفة، اقترب منه أبرهة وبدأ يموء. قال:

“يبدو أنك تعرف الكثير.”
ذاك الصباح اصطحب القط لأول مرة في جولة، تجولا إلى أن وصلا منزلًا مألوفًا. لم ينتظر أبرهة الرجل بل دخل المنزل، خرجت شابة تحمل القط، وجدت العجوز قد قطع مسافة خمس منازل عن مسكنها، بدأت بالمشي تاركةً القط ينزلق من يديها عائدًا إلى المنزل، تمشت مع الرجل العجوز كأنهما جد وحفيدته، وحين وصلا المنزل سألها: “ما اسمك؟”

أعتقد أنه يبدأ بحرف الكاف؛ لأني أسمعهم أحيانًا ينادونني عبر النافذة كيكا،
 لكن اسمي هو اسم الطفلة التي وجدت حبة العنب وأكلتها في قصة قديمة

“ما رأيك؟ هل أموت ميتةً تقليدية أم أموت كما أنام؟”

لدي فضول لأعرف كيف تنام لذلك سأختار الثانية”.”

لم تكن تعتقد أن أحدًا سيكون بهذه البساطة مع الموت، ثم قالت:

أنت تذكرني بالمصارع”!”

ضحك كثيرًا ثم قال: “لقد كنت كذلك طيلة حياتي، لكن الشيء المختلف هو أني لم أتزوج ولم ألد طفلًا، لكني أعتقد أنه لدي طفلان الآن، عليك الاعتناء بالقط جيدًا صغيرتي.

في الصباح التالي انتقل هو إلى المقبرة، ثم حصلت هي على إذنٍ من البلدية
للاعتناء بالبيت وبالتالي الانتقال إليه، ظل اسم القط أبرهة،
 وكانت هي كالساكن القديم لم تغير شيئًا ولم تعكر صفو الحشرات والياسمينة الأم، وحافظت على عادات جدها.

زكية بلحساوية
زكية بلحساوية
طالبة في شعبة الدراسات العربية

اترك تعليقا