رأي مسابقة قربة للمقالات

الكمال لي

في كل مرة كنت أعود دون الحصول على ما أريد تمامًا كما أردت، كنت أشعر بالغضب.. الغضب الجارف الذي لا يهدأ لم يكن غضبًا لفشلي بل كان غضبًا لنقص الكمال.

ترددت قبل أن أبدأ بالكتابة.. سألت نفسي مرات عديدة: هل سيكون المعنى كاملًا؟ هل سيفهم الناس قصدي؟ هل سيجعل الناس يفكرون عدة مرات قبل الضغط على أنفسهم أو على أحبائهم لحيازة كل شيء وأعلى شيء من كل شيء؟ هل سيفكر أحدهم مرتين قبل أن يلوم نفسه على جهد منقوص منكرًا طبيعته البشرية؟ هل سيتسامح أحدهم مع نفسه بعد زلة كبيرة أو بعد فشل قوي؟ أتمنى ذلك.

مازلت أتذكر بالمدرسة حين كان والدي يرى درجاتي التي قاربت للكمال، كان يخبرني أنها جيدة لكن بإمكاني أن أحصل على العلامات الكاملة، وكان يردد: «ولم أرى في عيوب الناس عيبًا كنقص القادرين على التمام»، كان والدي يحاول أن يأخذ بيدي لأحسن ما يكون كما يريد كل أب لابنته، لكنني كنت أستخدم كل هذا التحفيز لأخبر نفسي أنني إذا لم أتم هذا العمل على أكمل وجه فلا حاجة لبدئه من الأصل.

إما أن أحصل على كل شيء أو لا أحصل على شيء، وفي النهاية كان كل شيء يتسرب من يدي وأعتبر نفسي خاسرًا، ما دون الكمال كان عندي مشابهًا لعدم الوجود، لم أؤمن يومًا بمقولة: «أن تأتي متأخرة خير من ألا تأتي»،  كنت أقول لنفسي هذا غير صحيح، ألا تأتي خير من أن تأتي متأخرًا، ولذا كنت أعيش على قطبي الحياة، لا رمادي، إما أبيض أو أسود، إذا درست المادة القادمة جيدًا كلها دون نقص سأدخل الامتحانات، لو لم أفعل فلن أذهب كي لا أكون متأخرة دراسيًا، وخمن ماذا؟ لم أحضر العديد من الامتحانات وأخفقتُ حينها فتزعزت صورتي الذاتية عن الكمال الخاص بي، وتقوض عرش كمالي، وبغضت الدراسة، في الوقت الذي كان يحاول فيه زملائي الحصول على الدرجات من الامتحانات نصف النهائية كنت أمتنع عن حضورها لأنني لم أدرس جيدًا، وكان هذا كارثيًا، بعدها تحول الأمر لقدر من البلاهة، ما دام اهتمامي لا يجدي الحصول على العلامات الكاملة فلماذا علي أن أحاول وأضيع وقتي؟!

في العلاقات أيضًا، الشخص المهووس بالكلام يحيل حياة الآخر جحيمًا، الويل لك إن لم تدن له بالولاء الكامل وبالمحبة الكاملة، وأما حين يجمعكما منزل واحد فهذا جحيم آخر، فالبيت نصف النظيف هو متسخ بالنسبة له، والأعمال نصف المُنجَزة هي غير منجزة بالنسبة له، وكل شيء ينبغي أن يحدث في وقته تمامًا لا بعد ولا قبل، مساحة الخطأ غير مسموح بها على الإطلاق، أما عندما يصير هذا الشخص أبًا أو أمًا فتخيل ماذا سيصنع بطفله دفعًا به نحو المستحيل، أتخيل طفله وهو يسمع في كل لحظة لومًا وتقريعًا على أي إخفاق، بالطبع سيعيش الطفل حياة غير سوية.

الحقيقة أن الأشخاص المرضى بالكمال، بداخلهم ازدراء للضعف البشري وعدم تسامح مع ما خلقه الله في النفوس من ضعف وانكسار وتكاسل أحيانًا، نحن في النهاية بشر نضعف وننكسر ونخسر ونقف ونسقط، كل هذا جزء من تكويننا، لا يوجد ما يسمى بالإنسان السوبر هيرو، نحن لسنا روبوتات مصنعة كي تعمل بالكهرباء دون أن تخطئ، وسعي العالم الحثيث نحو الإنسان السوبر هيرو هو الذي يصنع مرضى بالكمال، الإنسان السوبر هيرو الذي يمكنه فعل كل شيء وأي شيء، الذي لا يخطئ، الإله في نفسه وفي الأرض.

 أعود وأقول إن فكرة الكمال البشري فكرة مخالفة للفطرة تمامًا، في الحديث الشريف عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُم.

 إذن، من خلق هذه النفس وفطرها يعرف أنها لا بد أن تزل وتخطئ، بل يدعوها للخطأ ولتصحيحه، لم يدعها للمثالية غير الحقيقية المنافية للفطرة.

شبح الكمال الذي تلبسني حرمني من تجربة الكثير من الأشياء، امتنعت من التجربة لأن مساحة الخطأ غير مسموح بها لأني لن أسامح نفسي حتى لو سامحني الجميع، حتى لو مر الأمر بسلام سأظل أكرره مرات ومرات داخلي وألوم نفسي، وكان هذا أمرًا كابوسيًّا، إذ أن المواقف لم تكن تنتهي في وقتها كما يجب أن يحدث، بل تظل في تكرار ممل داخل عقلي لأيام ولأسابيع، ويظل حديثي لنفسي لو أنني لم أتسرع بالحديث مثلًا لم يكن ليحرجني أحد، لو لم أبادر بالمساعدة مثلًا لم أكن لأتعرض لذلك الموقف.  

يعيق الكمال أصحابه أحيانًا عن الوصول لأي شيء، يقول الواحد منهم لنفسه: إذا لم ينتهي بي الأمر للوصول لأعلى المراتب في هذا الأمر فلم عساي أخوض فيه؟ وهكذا مرة بعد الأخرى ليجد نفسه واقفًا عند شاطئ الحياة لم ينجز شيئًا، خوفه من الوصول منعه من البدء، وغيره قد بدء ووصل وهو ما يزال يشعر نفسه بالشلل الوهمي، وهذه مشاعر غير حقيقية على الإطلاق.

في اعتقادي أن الهوس بالكمال هو حيلة دفاعية للخوف من الفشل، يتذرع الناس بكل هذا الزحف المقدس نحو الكمال خوفًا من السقوط، لكن ماذا سيحدث إن سقطت؟ هل ستنتهي الدنيا؟ ما هو أسوأ ما يمكن أن يحدث توقع حدوثه؟ ومن ثم اعلم أنه يمكنك المواصلة والوقوف من جديد برغم كل شيء.

 

لعل ما يجعل الإنسان واقعًا في شرك السعي الحثيث للكمال، هو العالم المحيط، بنا حيث المقتنيات الثمينة والتي جلبتها الحداثة تزيد من فكرة الكمال، حسنًا كم هي مقتنياتك؟ إذن أنت شخص قريب للكمال أو بعيد عنه. لكن ينبغي أن تسأل نفسك: هل أحسن فتاة في الكون ستكفيني؟ هل آخر موديل من السيارات سيرضيني؟ هل أعلى الدرجات العلمية ستجعلني أشعر بالاستحسان لنفسي؟ هل يمكنك أن تفكر للحظة أنه سيسلب منك كل مقومات كمالك هذه وستبقى وحيدًا دون حبيبتك وسيارتك ومكانتك العلمية؟ هل ما زلت تحب نفسك حينها وتشعر أنك تملك العالم؟ لو كانت إجابتك نعم فأنت بخير، لو شعرت حين سلب منك كل مقومات الكمال أنك لا تساوي شيئًا، حينها ينبغي أن تفكر جيدًا في قيمتك الحقيقية أمام نفسك.

هناك خيط رفيع بين الطموح والرغبة في النجاح -التي حريٌّ بكل إنسان أن يمتلكلها- وبين الهوس بالكمال، البحث المحموم عن الكمال يجعلك تركض وتلهث دون توقف، ولا يمكنك مطلقًا أن تعرف أنه ينبغي أن تقف.

 
لعل ما يمكن أن ينقذنا من السعي للكمال هو الإيمان، الإيمان أن لهذا الكون خالق مدبر اختص وحده بالكمال، ثم قام بتقسيم الأرزاق التي تفنى وتتجدد وتزول وتتملك، ولا شيء يبقى على حاله، يحمينا الايمان حال سقوطنا لعلمنا بورود هذا السقوط ولعلمنا بأن كف الله حاضرة لترفعنا وتزيل عثرتنا، وأنه بلا شك له حكمه في نقصنا وفي تعثرنا وحتى في ضلالنا ونكوصنا، وهذا ما تعلمته فيما بعد، أن الحياة أرحب من البحث المحموم عن الكمال، وأن التجارب الفاشلة ليست مدعاة للسخرية والحزن فقط، بل هي علامات أهتدي بها في سيري، وأن التقصير والتيه والضياع ليست أشياء مخزية بقدر ما هي أشياء من طبيعتي البشرية، وأنني لن أكون أبدًا شخصًا كاملًا لأن الكمال لله وحده، وأنه خلقنا بنقصنا وعيوبنا فلا بأس أن ندع مساحة للخطأ، وأن الندوب على قلبي ليست بهذا القبح بل هي تعني أنه كانت هنا تجربة، وأن في هذا القلب حياة تعلمت أنه لا بأس أن نتعثر ونسقط، لا بأس أن تقوم قيامتنا وتنهد سماواتنا وتتزلزل أراضينا، وسنغدو بلا شك قادرين على الوقوف مجددًا.

الكلمات الدلالية