صوت

‪احتلّ قلْبي

للوهلة الأولى لم أدرك ماذا حدث، ما تلك الرغبة العارمة في معرفة من يكون ذاك الغريب! لِمَ تعتلي وجهي نظرة الفضول تلك!؟ ما بال ذاك الأحمق يقفز ويقفز في الداخل كأنه حصان في مسابقة تخطي حواجز! ماذا دهاني!
أهذا ما يسمونه بالـ…! لا تنطقيها… كُفّي عن العبث. إنه فقط الفضول كما ذكرتِ.


اختفت المباني القديمة.. ولا أدري من أين ظهر مرج الزهور ذاك؟ تلاشت الغيوم ولم أكد أبعد ناظري عن السماء التي ظهرت بلون البحر حتى وقعت عيناي على زهور الشمس المتناثرة من حوله في أرجاء المكان وكان هذا كفيل بأن يلملم شتات أمري.

 
للحظة بدأتُ ألتقط أنفاسي مُرسلة إشارات إلى عقلي تتساءل عن ماذا يجري، وأين أنا!؟ أيعقل أنني أحلم! ولكن منذ لحظات كنت في طريقي للعودة إلى المنزل!
منذ رأيت ذلك الغريب وشيء غامض يحدث… ربما هو عضو في منظمة إرهابيه تحاول اختطافي وأجبرني على استنشاق شيء أفقدني عقلي وجعلني أهذي… لحظة! لِمَ تسعى منظمة إرهابية خلفي!

وجدتها… ربما ذاك الغريب كائن فضائي لديه قوى عجيبة تُمكّنه من صنع هالة تجعل منه محطّ الأنظار حتى ينتهي الأمر بضحاياه بالوقوع في فِخاخه ومن ثم يصطحبهم معه إلى كوكبه ليبيعهم كعبيد… ها أنا أدركت الأمر وحدي، أنا رائعة لا يوجد أحد بروعتي، عليّ الآن أن أعد خطة الهروب من تلك الها.أ.أ…
قاطعني صوت وقع أقدام حانية تخشى الفتك بالعشب المتناثر حول زهور الشمس… يا إلهي لما لستُ رقعة عشب! ما كان سينتهي الأمر بي كعبدة في كوكب آخر -تتنهد- وسط تلك التنهيدة داعب أنفي نسيمٌ أقبل يحمل عطره متراقصًا من حولي وأبصرتُ عيناه فعصفت بريحها على قلبي.
لا أدري… ربما اِستمع إلى أحاديث عقلي مستخدمًا قواه، فالتفتَ لأرى عينيه اللتين فتكتا بي أنا بدلًا من العشب!
استعاد وجهته مرةً أخرى وأخذ يتقدم وأنا خلفه أبعد عنه بِضعة أمتار أتقدم ولكن أحافظ على المسافة بيننا، مَن يدري ماذا سيحدث إن اقتربت وماذا يخفي في جعبته!


كانت مشاهدته يتقدم أمامي وسط تلك اللوحة من العشب الأخضر حول زهور صفراء تتراقص حولها فراشات ملونة، تعلوها سحب بيضاء تتخللها طيور ملونة تزين سماءً زرقاء، تبعث بداخلي شعورًا لا أجد له وصفًا، ولكن أنا على يقين أن الربيع قد حلّ بقلبي، أشعر به يُزهر من الداخل، كأن الأوردة والشرايين بدأت تخرج منها أوراق وأزهار وردية صغيرة كأزهار الساكورا.


كانت رؤيته يبتعد شيئًا فشيئًا كمشاهدة الغروب من نافذة كوخ مزهر يطل على شاطئ البحر، رغم جمال ذاك المشهد ولكن الشمس ستختفي في النهاية، ربما لذلك سارعت في اللحاق به.
بدأت خطواته تتباطئ شيئًا فشيئًا وقد ظهر للمرج نهاية بعد أن كنت أعتقد أنه لا ينتهي -مما ذكرني ذلك بالسياج من قصة طه حسين- رأيته يثبت أقدامه مُعلنًا التوقف عن السير واستدار ٩٠ درجة فكان جانبه الأيسر هو كل ما يظهر لي.


توقفتُ كسيارة استخدم سائقها المكابح فجأة بعد أن كان مسرعًا، هل ألحق به وأعجلّ من مصيري كعبدة!
لحظة… انظري إلى الجانب المشرق، ستزورين كوكبًا آخر أو ربما مجرة أخرى! ربما بجمالك الخارق هذا ينتهي بكِ الأمر كزوجة الملك! يا للروعة! هل سيقبل زوجي المستقبلي العزيز دعوة بعض الرفاق لحفل زفا..أ..أ… استمري في الثرثرة وسينتهي الأمر بكِ كوجبة للملك وليس زوجته.


لم يكن لدي خيار سوى اللحاق به، على بُعد خطوات من مكان وقوفه… أحاول ترتيب أفكاري والتي قطعها صوت انقض على مسمعي “سِبَربيه موقف سِبَربيه موقف سِبَربييهه” استفقت لأجد امتداد المباني القديمة وكأنه هبط من السماء على المرج، وكان ذلك الصوت بمثابة صافرة أعلنت بداية المبارة لترى الأشخاص في صراع عنيف لحجز مقعد في النهائيات، أدركت حينها أن نهاية المرج لم تكن سوى محطة انتظار سيارات الأجرة والحافلات!


رغم علامات الاستفهام التي حاوطت عقلي متسائلة من أين ظهر وإلى أين اختفى المرج، كان كل ما خشيته أن أفقد الغريب فبدأت أصب نظري هنا وهناك وجذبت نفسي للخلف لأجده يقف في زاوية يُجري مُكالمة هاتفية، لم أستطع تفسير كلماته، كانت تقع على مسمعي وقع النوتات الموسيقية على الآذان.
ترددت في الذهاب إليه للاستفسار عن إن كان يستخدم أحباله الصوتية ليتحدث أم ليعزف مقطوعة موسيقية!
في تلك اللحظة وجدته يبستم، خُيّل لي أنه ربما استمع لأحاديث عقلي مرة أخرى، ولكن لا بأس فقد كانت ابتسامته مذهلة للحد الذي يمكنك وصفه بأنه يتعمّد العبوس لتحظى ابتسامته بمعاملة مُذَنّب يمر كل ٨٠ عام!
راقبته لدقيقة لأجده ينهي محادثته للركوب بسيارة سوداء لامعة، ربما تلك هي المركبة الفضائية اللي ستُقِلّنا، ماذا! إنه يرحل! يا غرييييب… انتظر لم تخطفني بعد… أريد أن أصبح زوجة الملك، انتظر… يا إلهي لقد تحطمت كل أحلامي، ما بال قلبي أصبح نبضُه أشبه بنباح كلب حزين على فراق صاحبه.


بعد عودتي للمنزل أدركت أن قلبي خضع لاحتلال، كيف حدث ذلك! قوة الاستعمار حاصرتني من الداخل إما أفتك بها أو تفتك بي، هل عليّ المقاومة أم قد فات الأوان!؟ هل بإمكاني اختلاع قلبي وإنهاء الأمر!؟ هل عليّ الاستسلام والخضوع!؟
وكَأنّ القلبَ ارتَشفَ دمًا لاذِعًا، فلا هو بِقادِر على بصقِه.. ولا هو بِاستِطَاعتِه استقبال الماء.


لا بأس سأتألم في جميع الأحوال…

اترك تعليقا