أدب

رواية هجرة النطاف خطوة في نقد الذات

“هجرة النطاف” لم تكن محاولتي الأولى في عالم الرواية، ولا أعتبر ما أنتجته لحد اللحظة يصل مقام الرواية العالي، وإنما هي محاولات في سبيل الوصول إلى القمة التي تفصلني عنها الكثير.. الكثير من الخطوات.


وسأقدم من خلال هذا المقال مراجعة بسيطة كقارئ لنص كتبته بمنتهى الشفافية منفصلًا عن النص بصفتي الكاتب مندمجًا فيه بهوية القارئ الافتراضي .
والهدف من ذلك هو رتق جراحات النص وكسر هيمنة “أنا” الكاتب التي باتت تسيطر على معظم جيل الشباب من الكتّاب، فليس الإبداع أن تستطيع سرد قصة من بنات أفكارك بشخصيات أنت مَن استحضرتها، وحبكة أنت عقدت أوصالها، بل الإبداع أن ترى عيوب إنتاجك قبل أن تشير بالبنان إلى أخطاء الأخرين.

لعل الرواية من حيث المبنى العام للسرد متماسكة إلا أن غموض ما لا يستطيع القارئ تفسيره بحكم أن الأحداث متسارعة في مدة زمنية قصيرة، أي أن التكثيف راح يحرق تسلسل الأحداث وضغطها في إطار زمني ضيق، تمامًا مثل عملية الحشو فوق السعة، فهنا لا أستطيع أن ألوم نفسي كقارئ إن لم أفهم المتغيرات حتى لو أضاف الكاتب بعض الاسترجاعات بقصد التوضيح التي بنظري لم تكن كافية لفهم الرسالة.
والإغراق في الاسترجاعات ليست وسيلة يمكن لك استخدامها في اللحظة التي ترى النص بدأ يتهلهل فتحاول الاستدراك، بل أنت هنا وضعت نفسك أمام مجازفة لا تحمد عقباها يترتب عليها ضريبة باهظة الثمن وهي أن القارئ يفقد متعة المواصلة في اللحظة التي اخترت فيها العودة إلى الماضي، وبالتالي قتلت عامل التشويق والجذب بطريقة غير مباشرة، وأقعدت القارئ في منتصف الطريق يبحث عن رأس الخيط مجددًا.

بناء الرواية على “شخصية البطل الإشكالي” أسلوب كلاسيكي يخفف عنك كثرة الشخصيات والأحداث، وهو مهرب جيد ومرن في مسالك السرد، ولكن تحميل الشخصية أكثر مما تحتمل وضع البطل “زياد يونس” أمام محاولات لإقناع القارئ وذلك ناتج عن تراكم الأفعال والمتغيرات المفروضة على الشخصية، فالكاتب دائمًا كان يبحث عن مبرر منطقي لتطور الأحداث وربما أصاب في بعض النقاط وأخفق في نقاط أخرى، وأظن أن ضعف الحبكة جاء من هذه الارتباطات العشوائية دون انتظار قارئ واعي للأحداث.

وهنا يجدر بنا أن نشير إلى مهنة البطل “رسام كاريكاتير” والمهنة بحد ذاتها عنصر جذب ممتاز، فحياة هؤلاء الناس مليئة بالأحدث والدليل مسألة “الاعتقال” التي بنى الكاتب روايته عليها، ولكن بنفس اللحظة لم يوضح سبب الاعتقال، وهنا يمكن أن نستنتج استنتاجين، الأول أن الكاتب أراد أن يشير بطريقة غير مباشرة إلى مسألة “الاعتقال التعسفي” أو أنه فعلًا لم يجد سبب منطقي للاعتقال فقام باختلاق قصة جديدة ظنًا منه أنه سيدخل الأحداث بضبابية تحجب القارئ عن النص، وأرجِّح الاستنتاج الثاني صراحة، لإنه أوقع نفسه في عدة حوارات بين الشخصيات كشفت عن تخبط في أحداث الاعتقال ويوميات البطل داخل المعتقل.

ومن توابع هذه التخبطات هو الانتقال المكاني من محيط العاصمة دمشق إلى الجارة بيروت محاولًا جمع ما تبعثر، إلا أنه أدخلنا في الدوامة التي تعتبر شائكة إلى حد كبير، فمن المساحة الضيقة إلى الاتساع في ظهور الشخصيات بطريقة لم تكن مقنعة، وكأنه بمكان ما فقد السيطرة تمامًا وعاد في استرجاعات جديدة حتى يحكم وثاق النص الزئبقي الذي وصل إلى نقطة اللاعودة، فكان عليه أن يطيل السرد لعله يقنع القارئ، لكن بنفس الوقت لم يحسب حساب الملل المترتب على هذه الحركة، ولم يفكر بأن القارئ لا يستطيع قراءة ما يدور في رأسه.
ولكن حتى أكون منصفًا استطاع أن يلملم بقية أحداث القصة بطريقة جيدة، وأقول جيدة لأنها لا ترقى لتكون الطريقة الصحيحة، بحيث أنه أغلق متاهته وتوجه نحو خط جديد في الرواية وهو “الإسلام فوبيا” بطريقة ترتبط بالواقع، ولنكن أكثر دقة تعامل معها بطريقة منظمة وحاول إبرازها بشكل صراع الأجيال بين الأبوة والبنوة، وهذه الحركة تحسب له لا عليه لأن الموضوع شائك ومطروح في الكثير من الأعمال الروائية، علمًا أنه مهد للقضية عن طريق قضية الاختلاف الديني وما يترتب عليه في المجتمعات العربية، فالمخرج بالنسبة لي كان منطقيًا.

ختام الرواية لم يكن متوقعًا، فلقد أنهى الأحداث بطريقة غريبة بعض الشيء، حيث أنه ترك القارئ مذهولًا في الإجحاف بحق الكثير من الشخصيات التي ظهرت واختفت دون أي سبب ودون أي سابق إنذار، وحتى اصطلاح “شخصيات ثانوية” لا ينطبق على وجودها في قوام النص، أي أنه توقف عن السرد بفعل قطع الطاقة عن النص مبررًا ذلك بأن هذه النهايات المفتوحة تستهوي القارئ وتُعمل خياله.

لا أستطيع الجزم بأن النص كان يحتمل هكذا نهاية، ولكن بنفس الوقت استطاع ربطها بالواقع أيضًا بأسلوب مرن.
في نهاية المطاف الكاتب أوصل الكثير من الرسائل في قوام هذا العمل إما بطريقة المباشرة في الطرح أو عن طريق تبطين المعنى بقالب فني.
وفي النهاية وصلني العمل كما أوردت فيما سبق وأترك لكم الحكم في قراءة الرواية والإطلاع على الخفايا التي لم أبصرها.


ويمكنكم تحميل الرواية على الرابط التالي:
https://t.co/oglcj6tc0E

أتمنى لكم قراءة ممتعة .

الكلمات الدلالية
أحمد أبو إسماعيل
أحمد أبو إسماعيل
كاتب جزائري، متحصل على شهادة ليسانس في اللغة العربية وأدابها طالب حاليًا في قسم الماجستير تخصص أدب حديث ومعاصر، كاتب وروائي في بداية الطريق.