فن

لعبة العروش بين المنطق واللا منطق

أخيرًا جاءت الليلة الطويلة، جاءت بحلوها ومرها، بأمواتها وأحيائها.. وأمواتها الأحياء!


حرب يتم التجهيز لها من أول لقطة في المسلسل والكتاب، خطر داهم يحيق بكافة سكان مدينة ويستروس، ثمانية آلاف عام منذ أن خلق أطفال الغابة ملك الليل، ثمانية آلاف عام من محاولات القضاء على البشر بأمر الأطفال، وحوش جليدية مهيبة زرقاء بلا روح تدق مضاجع كل من رآها، إنهم التجسيد الحي للموت بعينه!

طوال الثمانية آلاف عام يحاول البشر القضاء على هذه الوحوش المرعبة، يدخلون حروبًا خاسرة المرة تلو المرة وكلما خسروا كلما زاد جيش الموتى، وصل الأمر أن تملك ملك الليل من تنين من تنانين الملكة دنيريس وحطم بها جدارًا صمد آلاف السنين.. كل هذا أدى إلى تلك الليلة المأزومة.

ليلة حالكة الظلمة، يذهب في منتصف الظلمة جيش من أعتى الجيوش في عالم الثلج والنار ولا يعود منهم أحد، خمس عشر دقيقة من الصمت والظلمة، إحساس خوف يعلو فوق سماء وينترفل وويستروس كلها، يختال ملك الليل بتنينه جيئةً وذهابًا لا يهاب أي شيء، يقذف عليه سيل من نيران التنين يخرج منه مبتسمًا، يصل لمبتغاه.. يقتل حارس عدوه الأخير بلا هوادة ولكن.. انتظر لحظة! هناك فتاة في العشرين تظهر قافزة من العدم تستل خنجرًا من الحديد الفاليري الأعرق، ولكن يمسك بها من رقبتها.. تلقي بالخنجر من يدٍ إلى الأخرى وتطعنه في بطنه طعنة واحدة، ينصهر بعدها أعتى أشرار ويستروس إلى مكعبات ثلجية! مات الموت على يد طفلة يبدو أنه قد نما لها أجنحة!


كيف يُعقل هذا؟!


أنا كمتفرج كنت في غاية الخوف في انتظار موت بران وحتى حينما قتلت أريا ملك الليل انتابتني القشعريرة وأصابتني السعادة لوهلة ولكن بعد دقيقة انقشع فيها الأدرينالين من عروقي.. بدأت بالضحك!
أهكذا ينتهي أهم حدث في المسلسل؟ الحدث المنتظر منذ السابع عشر من أبريل 2011م؟ لا بل منذ الأول من أغسطس سنة 1996م منذ إصدار أول كتاب في السلسلة؟ أهكذا يموت الموت؟
كيف تمر فتاة من خلف المئات من الأموات الأحياء بدون أن يلاحظ أيهم شيئًا؟ هل كانوا يقضون حاجتهم؟ أم كانوا يلعبون (باب جي) كما مزح أحد أصدقائي؟
دعنا نبتعد عن معضلة أريا، كيف لم يمت أي من الشخصيات الرئيسية علمًا بأنهم تم حصارهم من الأموات أكثر من مرة؟ كيف يموت ثلاث شخصيات جانبية بعض الشيء إلا من رحم ربي -ثيون- بسهولة شديدة ولا يموت سام بحق الآلهة السبعة؟

إليك ما حدث


لا شك أن كتابة المسلسل قد انحدرت بشكل ملحوظ بعد انتهاء الموسم الرابع، أي بالتزامن مع سيطرة صانعي المسلسل – دي. بي. وايس وديفيد بينيوف أو دي ودي كما يُطلق عليهم- على سير الأحداث وبُعدِهم بشكل تدريجي عن الكتب الأصلية للكاتب (جورج أر أر مارتن)، منذ أن بدأ الموسم الخامس والشخصيات بدأت في الضعف من ناحية الكتابة أحداث لا منطقية تُترَك معلقة، لا تفسيرات لأي شيء، كل هذا بدأ يظهر بشكل أوضح بعد انتهاء الموسم الخامس والذي أعلن نهاية المحتوى الروائي لكل القصص ليظهر لنا عمل ممل مليء بالكتابة الكسول -ما عدا طبعًا الحلقة الخامسة الباب وآخر حلقتان بالموسم السادس، حرب أولاد الحرام ورياح الشتاء والذين يعتبرون من أفضل الحلقات في المسلسل أجمع في رأيي -عكس ما اعتدنا عليه من مواسم قبله من واقعية صرفة، وشخصيات حقيقية تصدقها لأنها تملك الخير والشر بداخلها كالأناس العاديين وليست مثل باقي سلاسل الفانتازيا.

في ثاني حلقات هذا الموسم تم إيقاظ جون سنو بعد طعنه فوق العشرين طعنة مما بدأ إحساس وجود بطل لهذا المسلسل الذي لطالما ميزه أنه بلا بطل وخلال الحلقات التي تليها هذه الحلقة يكون جون سنو على شفا حفرة من الموت وينقذ بأعجوبة مما يُأكد أنه أصبح بطلًا للمسلسل.
وفي الحلقة الثامنة من هذا الموسم المتهالك كان تطور شخصية أريا يأخذ منعطفًا اخيرًا حيث كانت تهرب من معلمتها في بيت الأبيض والأسود واختبأت منها وهي مصابة بشدة في حارة مظلمة، خرجت منه أريا منتصرة بشكل سحري، إذ أنها كانت على وشك الموت ولكنها قالت كما تقول دائمًا للموت «ليس اليوم»، ويبدو أنها تعويذتها السحرية.

لم يرض الكثير بما حدث لها إذ أنه غير منطقي، فهي لم تتعلم ما يكفي لتفعل ذلك، ولكن المشكلة أن المنطق قد غادر المسلسل منذ بداية الموسم.. منذ تم قتل عائلة أوبرين وكبير عائلة جراي جوي في حلقة واحدة.


المنطق لم يعد يعيش هنا


لأن ما حدث غير منطقي أصبح لدى الناس فكرة مشوهة عن تطور أريا، لم يروها بالقوة التي أراد الكتاب أن يصلوا إليها، حتى بعد أن قتلت عائلة فراي كلها، كل هذا كان بالنسبة لهم كتابة سيئة ولكن للأسف كانت هذه هي خطوات لتعزيز قوة ومكانة أريا حتى ينتهي بها الأمر تعبر جيش الأموات بلا صوت وتقتل ملك الليل بالخنجر الذي حاول ليتل فينجر قتل أخاها به من قبل، ولتعزيز قدرة أريا على المشي بلا صوت كان هذا المشهد في المكتبة التي كانت تسير فيه فلا يسمع الأموات لها صوتًا ولكن وقوع نقطة من دمائها أثارت الموتى كلهم عليها، فيالها من فتاة خفيفة الحركة!


المشكلة الحقيقية


المشكلة الحقيقية بالنسبة لي وما أدى إلى كل هذا الاستياء هو أن المشاهدين القدامى كان لديهم توقعات أعلى بكثير مما صار إليه حال المسلسل، جلسوا يضعون النظريات ويقرأون الكتب ويحللون ويتناقشون ويعظمون من هول ما سيأتي، إلى أن أتى ما أتى في غفلةٍ من أمرهم وطعنهم بنفس خنجر أريا في بطونهم.

المسلسل لم يعد كما كان وأصبح مسلسلًا فانتازيًا عاديًا مليئًا بالأحداث الغير عقلانية، فأرجو أن تستميحوا له العذر وتتقبلوه كما هو لما تبقى له من حلقات.

أما بالنسبة إلى أبطالنا الذين لم يموتوا وهم محاطون من كافة الاتجاهات وخصوصًا سام!فهناك رد مفحم لهذه المشكلة:
المخرج عايز كده!

اترك تعليقا