أدب مسابقة قربة للمقالات

الجميلة والوحش | الجميلة دومًا ما تقتل الوحش.

“افهميني على حقيقتي، إنني لا أجري وراءك بل أجري وراء دموعي.”

هكذا كتب الشناوي لنجاة ذات مرة في إحدى نوبات عشقه وهيامه بها..

مصطفى أمين في كتابه الشهير (شخصيات لا تُنسى): “عشت مع كامل الشناوي حبه الكبير، وهو الحب الذي أبكاه وأضناه، وحطمه وقتله في آخر الأمر، أعطى كامل لهذه المرأة كل شيء المجد والشهرة والشِّعر ولم تعطه شيئًا أحبها فخدعته، أخلص لها فخانته، جعلها ملكة فجعلته أضحوكة.”

مصطفى أمين كشف في كتابه أيضًا عن أن القصيدة الشهيرة “لا تكذبي” التي غنَّاها كُلًّا من الموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ، ونجحت نجاحًا كبيرًا بصوت نجاة الصغيرة، كتبها الشاعر الراحل من واقع قصة حبه، وكان يُحدّث فيها حبيبته.

أمين الصديق المقرب للشناوي وصف مشاعره أثناء كتابة هذه القصيدة قائلًا: كتبت قصيدة (لا تكذبي) في غرفة مكتبي بشقتي في الزمالك، وهي قصيدة ليس فيها مبالغة أو خيال، وكان كامل ينظمها وهو يبكي، كانت دموعه تختلط بالكلمات فتطمسها، وكان يتأوّه كرجلٍ ينزف منه الروم العزيز وهو يُنظمها، وبعد أن انتهى من نُظمها قال: إنه يريد أن يقرأ القصيدة على المطربة بالتليفون.

كامل بالفعل اتصل بالمطربة التي عشقها، ووصف مصطفى هذه المكالمة قائلًا: “بدأ كامل يُلقي القصيدة بصوت منتحب خافت تتخلله الزفرات والعبرات والتنهدات والآهات، مما كان يقطع القلوب، وكانت المطربة صامتة لا تقول شيئًا، ولا تعلق، لا تقاطع، ولا تعترض.. وبعد أن انتهى كامل من إلقاء القصيدة قالت المطربة: “كويسة أوي، تنفع أغنية، لازم أغنيها.” وكأنها لا تدري أنها كُتبت فيها!”

والسبب أن الشناوي شاهد الأديب “يوسف إدريس” معها بالسيارة في أحد شوارع القاهرة، رغم أن نجاة نفت أن هناك علاقة بينها وبين إدريس أكثر من مرة، ثم تضاعفت أحزانه حين رآهما يخونانه، أكلت الغيرة من قلبه ما تشاء فما كانت النتيجة إلا تلك القصيدة، القصيدة  التي أخبر فيها نجاة أنه لا داعي لنفي شيء، أو للكذب إني رأيتكما.

“لا تكذبي إني رأيتكما معًا، ودعي البكاء فقد كرهت الأدمعَ..

ما أهون الدمع الجسور إذا جرى من عينِ كاذبةٍ فأنكر وادّعى.”

وفي عام 1962 في عيد ميلادها عندما اشترى هدايا الحفل، وحضر برفقة أصدقائه فجعلها بالزمالك، وعند إطفاء الشموع اختارت يوسف إدريس ليقطع التورتة معها ممسكًا بيدها، فانسحب الشناوي حزينًا باكيًا.

ثم عبر عن خيانتها له بقوله:

هل ألعنها أم ألعن الزمن، كانت تتخاطفها الأعين، فصارت تتخاطفها الأيدي!”

ثم كتب قصيدته الرائعة التي غناها عبد الحليم حافظ، “حبيبها لست وحدك حبيبها”.

الشناوي الشاعر الرقيق ذو الجسم الضخم لم ييأس من حبه، عاش قصته الشهيرة، وظل مخلصًا لبطلتها حتى وفاته رغم عدم مبادلتها له نفس الشعور.

أمين كتب أن كامل كان يقول:

“لا أفهمها، فهي امرأة غامضة، لا أعرف هل هي تحبني أم تكرهني؟ هل تريد أن تحييني أم تقتلني؟”

وقد عبر الشناوي بقوله:

“إنها تحتل قلبي، تتصرف فيه كما لو كان بيتها تكنسه وتمسحه، وتعيد ترتيب الأثاث وتقابل فيه كل الناس، شخصٌ واحد تتهرب منه، صاحب البيت!”

لعنة الحب الفاشل أصابت الشاعر، حتى أنه كان يشعر أن هجرة محبوبته قتلته، ولم يبق سوى موعد تشييع الجنازة، وكان يجلس يوميًّا يكتب عن عذابه، وأصبح يتردد على المقابر، وحينما سأله مصطفى أمين عن ذلك، أجابه بابتسامة حزينة وقال:

“أريد أن أتعود على الجو الذي سأبقى فيه إلى الأبد.”

وكانت آخر كلماته قبل أن يعانقه الموت يصف من خلالها حياته، التي لم يعد فيها ما يستحق الاهتمام بعد حب نجاة سوى الموت، قال فيها الشاعر الكبير:

“ولكن أيامي اليوم قليلة، وانتزاع عامٍ منها يُشعرني بالفقر والفراغ والعدم، فمنذ تجاوزت الأربعين وحدي، كما تجاوزت ما قبلها، لا صحة ولا مال ولا زوجة ولا ولد ولا صديق، ولكن علام نبكي الحياة؟ وماذا لو رحلت عنّا أو رحلنا عنها؟ ما دام الرحيل هو الغاية والهدف.”

وتأتي النهاية التي لم يُريدها كاتبنا العظيم، وتتزوج نجاة في أواخر حياته ومالَه إلا أنْ بعث لها برسالة يقول فيها:

“كنت أتعذب في حبك بكبرياء، وقد ذهب الحب، وبقي كبريائي، كنتِ قاسية في فتنتك ونضارتك وجاذبيتك، فأصبحتِ قاسية فقط!”

جراح الحب الأليم ظلت تنزف في قلب كامل الشناوي الذي ظل مخلصًا لجرحه رغم العذاب الذي كان يشعر به، عاش الشناوي في ونس الوحدة حتى مات بلا زواج ولا أطفال ولم يترك إلا أعماله التي تظل لها قيمة حتى الآن، عاش سابحًا في حبه لنجاة حتى مات غريقًا به، قيل إنه مات مكتئبًا، وذلك في 30 نوفمبر 1965.

علاقة الشناوي بنجاة علاقة كان الشناوي ضحيتها، بعد كل هذا الحب لم يطمئن قلبه ولو لليلة واحدة، نظر لها بعين الحب ونظرت له بعين الأب -فهو يكبرها بحوالي 30 عامًا- أو لم ترَه من الأصل، كان لها بمثابة وحش، مثل قصة ديزني الشهيرة الجميلة والوحش.. ولكن دومًا ما تقتل الجميلة الوحش!

اترك تعليقا