التطبيع العلمي مع إسرائيل
تاريخ وسياسة

العلوم بين المقاومة والتطبيع

هل يمكن أن تتحول المعرفة من كونها إحدى وسائل المقاومة لتصبح إحدى وسائل التطبيع؟

للإجابة عن هذا السؤال.. نعودُ بالزمن إلى الوراء سنواتٍ قليلة ما زالت تعلق بالذاكرة…

في العامين 2015، 2016..

بدأ الأمر بقلق في الصحافة الإسرائيلية حيث تداولت بعض العنواين والتي تنذر بتفاقم الأوضاع نتيجة لانطلاق حركات المقاطعة المختلفة واتساع رقعة حركة المقاومة الإسرائيلية المعروفة ببي دي إس وانتشارها في مختلف البلدان والذي اعتبرته إسرائيل تهديدًا استراتيجيًّا لها، متخوفةً مما يعرف بعزلة دولية لإسرائيل، تتشابه مع نموذج الفصل العنصري الذي حدث في جنوب إفريقيا من قبل وهو الهدف الذي لا يخفيه أنصار حركات المقاطعة.

ومع  قرار المفوضية الأوروبية في الحادي عشر من نوفمبر 2015 بتمييز بضائع المستوطنات الإسرائيلية، باتت الأمور أكثر تعقيدًا، حيث أظهر القرار قدرة حركات المقاطعة على إقناع شرائح واسعة من نواب البرلمان الأوروبي بعدم شرعية وأخلاقية إقامة المستوطنات الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية، والذي شكل بطريقةٍ ما ضربة لإسرائيل.

ولأن الكيان الصهيوني يعي أن استمراره يعتمد بشكلٍ كبير على الاعتراف الدولي، فقد كان من الضروري له الاستئثار بشيءٍ يحفظ له مكانةً مستقرة، ويضمن له الاعتراف في مقابل تداوله، وعندما تشكل صناعة التكنولوجيا نحو 50% من صادرات إسرائيل، بالإضافة إلى تطلعها لتصبح دولةً عظمى في مجال البحث العلمي بحلول عام 2024، فلا شك أن ما سيتم تداوله هو العلوم والصناعات التكنولوجية بأنواعها.

“التطبيع: لنجعل الأمر يبدو طبيعيًّا.”

ما يميز التطبيع العلمي عن غيره من أنواع التطبيع أنه يأخذ شكلًا مختلفًا، فهو يسطح الأمور، ويختزلها في صورة من التعاون المحض، فيتم الترويج للأمر بأنه لا يهدف إلا للتنمية، والوصول لحقائق مجردة لا أكثر.

في حين أنه يعد وسيلةً لخلق بوابات للتعاون والاعتراف من قبل دول من المفترض أنها تحمل العداء للكيان الصهيوني، ومع ذلك يتشاركان في العمل في أمور التطوير والأبحاث العلمية.

إيران نموذجًا:

شكلت الثورة الإسلامية في إيران حالة من العداء بين الجانبين الإسرائيلي والإيراني مع التنويه أن العلاقات بينهم لم تخلُ من البراجماتية مع الحرص على استمرار حالة التشاحن والعداء المتبادل في الدعاية الرسمية المتبادلة بينهم على مدار أعوام تحديدًا من قِبل ساسة إيران بدئًا من تصريحات الخوميني حتى نجاد…

وعلى الرغم من هذا فإن علماء الفيزياء في كل من إيران وإسرائيل عملوا سويًّا ضمن مشروعٍ علميّ مشترك في مركز (سيسامي) الدولي لضوء السنكروتون للعلوم التجريبية وتطبيقاتها في الشرق الأوسط، ولم يقتصر الأمر على التشارك بين إيران وإسرائيل فحسب، بل شاركهم علماء من مصر وتركيا، ودول أخرى في الشرق الأوسط.
وتأكيدًا على أن المشاركة العلمية تسطح الأمور كثيرًا، فنجد في تصريحات الدكتور والباحث المصري ياسر خليل المدير الإداري للمشروع في حديثه مع العربية نت، عندما أكد أن الخلافات السياسية بين الدول لا تحمل قدرًا كبيرًا من التأثير على

تعاملاتهم؛ حيث قال عن السياسة: 


“لا مكان لها فيه، مما يساعد في تعايش العلماء وتصفية الأجواء حتى بين العلماء الإيرانيين والإسرائيليين الذين تربطهم علاقاتٌ جيدة، بعيدًا عن التوترات التي تفرزها السياسة.”

وأضاف:

“العلم هو أداة الوصل بين الشعوب، وعندما يزور العلماء أية معامل أبحاث في أي مكانٍ كان، فإنهم يلتقون بنظراء لهم من دول مختلفة عن بعضها تربطها ببلادهم علاقات جيدة وأخرى علاقات سيئة، إلا أن العلم يخلق لغةَ حوارٍ حتى بين من قد يعتبرون أعداء ويذيّل كل العقبات.”

هذا فيما يخص الدول… أما ما يخص الأفراد، وفي ظل المعاناة من مشكلات المنظومة التعليمية في بعض الدول العربية، فيلجأ الكثيرون للدورات الدراسية التي تقدمها منصاتٌ علمية مختلفة كبديلٍ قد يفي بالغرض.

 ومن ثَمّ فقد يجد الشبابُ العربيّ في بعض المناهج الدراسية المقدمة من المعاهد الإسرائيلية فرصةً لهم، والتي قد لا يجدون سببًا من مقاطعتها.

فنجد تسجيلًا لآلافٍ من الطلاب العرب من بينهم ستمائة مصريّ في دورةٍ دراسية مُقدمة من معهد الهندسة التطبيقية الإسرائيلي المعروف باسم “التخنيون” عبر الإنترنت في مجال تقنية النانو وأجهزة الاستشعار المتناهية في الصغر، ويقدم الدورة أستاذ الهندسة الكيميائية في المعهد، وجامعة بن غوريون، ومخترع جهاز كشف السرطان الأنفي حسام حايك.
 

وتزعم صحيفة (معاريف الإسرائيلية) بأن الدورة الدراسية -والتي توفرت باللغتين العربية والإنجليزية- لاقت اهتمامًا كبيرًا من الطلاب العرب، حيث تابعها ما يقرب من ستة آلاف مصريّ، وألفا كويتيّ، وألفا وخمسمائة من المملكة العربية السعودية، بالإضافة إلى عددٍ من الطلاب السوريين.

وقد علق وقتها محمد الشبراوي (المدير التنفيذي للمركز العربي للدراسات) في حوارٍ له مع (الجزيرة. نت):


 “أن الإعلان الإسرائيلي عن هذه الأعداد المشاركة في الدورة يأتي من قبيل المساهمة في إذابة الحواجز النفسية بينها وبين الشعوب العربية، والذي تسعى إليه منذ توقيع اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية كامب ديفد.

وأضاف إن إسرائيل ليست جادة في تقديم خدمة حقيقة لهؤلاء الطلاب، وذلك لأن خطتها الإستراتيجية تقوم على التفوق على المنطقة العربية وخاصةً في المجال العلمي والتقني.

وأشار إلى أن هذه ليست المحاولة الأولى لاستقطاب طلاب عرب، فقد سبقتها محاولاتٌ كثيرة، حيث نجحت إسرائيل في التواصل مع بعض العلماء العرب الحاصلين على جنسياتٍ أوروبية، مبرزًا أن الاضطرابات السياسية والاقتصادية قد تدفع بعض الشباب للتوجه إلى إسرائيل لإكمال دراسته، دون الانتباه إلى مخاطر ذلك.”

ونجد اتفاقًا بين رأي محمد الشبراوي مع رأي حركة المقاطعة الإسرائيلية حيث أكدت أن المنظومة العلمية والتكنولوجية لإسرائيل BDS، ليست سوى وسيلة لخدمة الدور الاستعماري للكيان الصهيوني بغرض تلميع صورتَه من خلال إنجازاته العلمية، ومن ثَمّ أصبحت المنظومة العلمية والتكنولوجية منظومةً استعمارية أخرى يجب مقاطعتها، وترى أن إسرائيل تسعى اليوم إلى ضمان اعتراف الشباب العربي بها وبهويتها السياسية، تحت غطاءٍ علميّ أو إنساني يشيرإلى وجودها.

مع الأخذ في الاعتبار أن بوادر التطبيع العلمي مع إسرائيل قد ظهرت من خلال المؤتمر الدولي لوزراء التعليم العالي والبحث العلمي للدول الأورومتوسطية، والذي عقد في يونيو2007 بالقاهرة، وشاركت فيه 27 دولة عضوًا في الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى عشر دولٍ من حوض البحر المتوسط من بينها إسرائيل

وعندها أكدت أنيت سكاران (وزيرة التعليم، والبحوث الألمانية، ورئيسة المؤتمر) أن إعلان الشراكة يعني التطبيع الثقافي مع تل أبيب، معتبرةً ذلك أفضل السبل لمد الجسور بين إسرائيل والدول العربية.

 في الوقت الذي تهرّب فيه هاني هلال (وزير التعليم العالي والبحث العلمي المصري وقتها) من الإجابة عن جميع الأسئلة المتعلقة بمشاركة إسرائيل في المؤتمر.

وقد يجمل لنا هذا كله التصريح التالي:

موقع إسرائيل في المجتمع الدولي يتغير بشكل درامي؛ بسبب حاجة العالم للتكنولوجيا الإسرائيلية وخبرات إسرائيل في مجال مكافحة الإرهاب.”


-بنيامين نتنياهو متحدثًا أمام المؤتمر الدبلوماسي السنوي لصحيفة جيروزاليم بوست، نوفمبر/تشرين الثاني 2016.

وقد أعلن أيضًا أن التكنولوجيا الإسرائيلية “يمكنها أن تجلب السلام للشرق الأوسط ” فهو يعلم جيدًا أن ما يمتلكونه من وسائل تقنية حديثة هو ما تحتاجه الدول العربية،  والذي سيؤدي في نهاية المطاف إلى علاقات مشتركة تحمل جوانب سياسية واقتصادية وليست علمية فقط.”

وفي النهاية يبقى هناك من يرى أنه لا ضيرَ من الاستفادة من التطور التكنولوجي لدى إسرائيل، وهناك من يرى أنه  ليس سوى بوابةٍ لما هو أوسع من ذلك.

المصادر:

الكلمات الدلالية
سارة محفوظ
سارة محفوظ
طالبة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية.. مهتمة بالعلوم الإنسانية.