الفن والقيمة
فن

الفن والمتعة | بين الساحرة المستديرة وفلسفة الفن

الفن والرياضة والأبدية

إن كنت من مؤيدي القول بأن قيمة الفن تكمن في المُتعة وهو الاعتقاد الأكثر شيوعًا فربما يتسلل إلى ذهنك أنشطة أخرى تمتعنا ولها جمهور كبير مثل: نهائيات الكأس لأي رياضة أو نهائي دوري أبطال أوروبا مثلًا، وتحاول عقد الصلة بينها وبين الفن، فإنْ كان الفن يمتعنا فإنَّ ما يمتعنا يكون بدوره فنًّا، ففي كرة القدم مثلًا نجد لاعبًا مثل أنيستا يُطلق عليه الرسّام، وفي تعليق أحد المعلقين على هدفٍ له:

 “أنيستا الرسام، أنيستا الفنان يتلاعب بالكل، شوف الموناليزا.”

وهو ما اتفق عليه المعلق والجمهور بأنه قد قدم عملًا فنيًّا من خلال هدفه، يمكن مقارنته بالموناليزا.

ولجاذبية الرياضة التي تفوق الحدود نجد أنها توفر لنا تجربة “أبدية الزمن” الخاصة بالفنون، على حد تعبير كيركجارد، فتلك النهائيات والمناسبات الرياضية تنسب إليها الأحداث العادية، ففي فيلم “واحد صفر” كانت جميع الأحداث تدور في يوم نهائي كأس الأمم الإفريقية 2008، فتاريخ هذا اليوم لا يهمنا بالتقويم الميلادي أو الهجري أو أي تقويم، فما يهمنا هو أنه كان النهائي فحسب، وفيه نهائي دوري أبطال أوروبا بين ليڤربول وريال مدريد.

ما زلنا نتذكر لحظة إصابة محمد صلاح وبجانب أن يوم النهائي هذا وفر لنا “أبدية الزمن” كان يحمل معه بُعْدًا آخر ذا طابع وطني، وظهر كذلك بصورةٍ أوضح في مباراة مصر والكونغو للتأهل لكأس العالم 2018، فهدف الكونغو في مصر اعتبرناه هزيمةً وطنية وسالت لأجله الدموعُ، وهدف صلاح بعده بدقائق كان نصرًا وطنيًّا.

ما هي إذًا الملامح المشتركة بين الفن والرياضة؟

وهل وصفنا للعبة ما بأنها فن نوع من المغالاة أم أنها فعلا كذلك؟

 سوف نتعرف على كل هذا من خلال رحلة في آراء “هيوم” و و”چون ستيورات ميل” عن المتعة ومعيار الذوق، بعد أن نتعرف على ظهور لفظة “اللعب” عند الحكم على قيمة الأعمال الفنية عند “كانط” وتطوير هذا المفهوم عند “جدامر”.[1]

وستكون بعدها مشجِّعًا لناديك المفضل وترى لاعبَك المفضل فنانًا بجانب أنه رياضيّ، فتكون شخصًا له وجهة نظر رياضية وفنية.

جدامر-الفن بوصفه لعبًا..

في بحثه بعنوان “أهمية الجمال” يحاول أن يفسر قيمة الفن من خلال مفهوم كانط -وهو ما سنتعرف عليه لاحقًا- وكذلك من خلال تفسير قيمة النشاط الفني في ضوء قيمة اللعب.

ويرى جدامر أن تقدير العمل الفني يتطلب نشاطًا إبداعيًا من جانب المتذوق لا يقل عما يقوم به الفنان من نشاطٍ إبداعي، أي أن عقل الفنان وعقل المشاهد ينخرطان سويًّا في نشاطٍ إبداعي متبادل.

“العمل الفني شيءٌ لا يتجلى ولا يكشف عن ذاتِه، إلا عندما يشكله المشاهد.”


-جدامر.

والحكم على العمل الفني من الناحية الجمالية وإبداعنا في تكشف العمل الفني أمران متلازمان، فالإبداع الفني يحتاجنا كجمهورٍ له لأنه يقدم “تجاربَ تحقق مثال المتعة الحرة المنزهة عن الغرض.

وكأن الفن يمكن رؤيته بمثابة اللعب الذي يشارك فيه الجمهور والفنان، ففي كرة القدم الهدف فيها هو إدخال كرة من الجلد إلى الشبكة بعد أن تتخطى خطًّا معينًا، فيُمكن رؤية الهدف بأنه بلا قيمة ولا يُحقق شيئًا ولكنه من داخل شروط وقواعد اللعبة فالهدف هو إنجازٌ ويُسلط الضوء على المهارة التي تتبدى في اللعب، فرأي المعلق في أنيستا الفنان؛ بأنه استطاع أن يرسم الموناليزا لم تكن نوعًا من المغالاة في التقدير، والهدف كذلك يسلط الضوء على الكيفية التي يسهم بها الفن في بحث الإنسان عن المعنى.

“هناك ثمنٌ يدفع في الحياة الواقعية عندما يفوز الأشرار، وإن كنّا نتعلم ذلك من التجربة. والألعاب الخيالية -كدمى الأطفال أو غيرها من الأشياء في الأنشطة الخيالية- توفر لنا الخبرة المستفادة أو ما يشبهها على أية حالٍ بلا مقابل. وهذا التباين بين الخيال والحقيقة يوفر علينا الألم والمعاناة التي من المتوقع أن نتعرض لهما، فيما لو حدث ذلك في دنيا الواقع، فنحن نجني ثمارَ تجربةٍ مرة دون أن نمر بها.”[2]

 الرياضة لعب وليست تسلية، تتجلى من خلالها فضائل البشر وشرورهم، والرياضة والفن يشتركان في التعاون الإبداعي بين الفنان والجمهور، ومشاركة المتفرج هو ما يجعل النصر نصرًا والخسارة هزيمة، وهو ما يجعل المناسبات الرياضية تتسم بالطابع الوطني، ويكون النصر نصرًا وطنيًّا والخسارة هزيمة وطنية، وهو ما مررنا به في نهائي دوري الأبطال وفي التأهل لكأس العالم.

كانط والجمال واللعب الحر للخيال..

وهنا ننتقل إلى الفن بصورة أكثر خصوصية، وباتفاقنا على أن الرياضة فن.. والفن رياضة، فيمكن استبدال أهداف لاعبك المفضل أو طريقة لعبِهِ بالأعمال الفنية.

بالنسبة لكانط فإن ما يحصل عليه المتلقي هو “متعة تأمل الجميل” وأن الفن ذو قيمة لأنه يتوقف بصورةٍ رئيسية على إبداع الجمال وتأمله، وهو في منزلة وسط بين الضروري منطقيًّا أو الموضوعي مثل: النظريات العلمية، والذاتي المحض كالرأي والتفضيل الشخصي للوحةٍ مثلًا أو رواية عن غيرهم.

ففي كتابِهِ “نقد الحكم” يقول أن التعبير عن شيءٍ ما بأنه جميل لا يمكن أن يكون ذاتيًّا نابعًا من شعورٍ بالاستحسان critique of judgment  لأنه لا يتعلق بواقعة، فالجمال هنا هو صفة في الشيء.. أو هناك شيءٌ ما متعلق بالشيء يجعل الناس يفضلونه بالمثل، فالحكم هنا ليس تفضيلًا شخصيًّا أو نفعًا عامًّا وهو منزهٌ عن الغرض، إنما ينشأ عن “اللعب الحر للخيال”.

وكانط يسلم مثل هيوم بحسٍّ مشترك بين البشر يستثار فقط عندما يتم إصدار الحكم، وإن لم يتحول إلى اتفاقٍ عام موضوعيّ حول فئاتٍ من الأشياء، سيكون مجردَ حكمٍ فرديّ على موضوعٍ ما.

أي أن المتعة بالجميل تتركز على الموضوع وتأمله ذاته.

لكن فكرة “اللعب الحر للخيال” قد تسير بنا دون قيدٍ إلى حيث تشاء، ونجد أن قيمة الجمال لا ترد إلى شيءٍ آخر غير الجمال، أي يترك القيمة الفنية للعمل بلا تفسير إن كان له قيمة، وقد يجعنا الجمال الكانطي نرفع شعار “الجمال لأجل الجمال” وهو ما يكون مشابهًا لملاحظة أوسكار بأن “كافة الفنون بلا فائدة”، وتلك الثغرة عند كانط تم معالجتها من خلال رؤية جدامر في الفقرة السابقة.

هيوم ومعيار الذوق..

في مقالته بعنوان “حول معيار الذوق” يرى هيوم أن ما يهمنا في الفن هو المتعة أو السرور الذي نحصل عليه، وهذه المتعة متعلقة بإحساسنا وليست بصفة جوهرية في العمل الفني نفسه، فلو أردنا أن نحكم على عملِِ فني ما من حيث هو جيد أم رديء، فهو ليس حكمًا حقيقيًّا، لأنه على حد تعبيره

 “الإحساس لا مرجع له خارج الإحساس، وهو دائمًا واقعي، سواء شعَرَ الإنسان بذلك أم لا.”

أي أن ما نفضله هو تعبيرٌ عن ذوقِنا الخاص فقط، والدليل على هذا.. الآراء المتباينة للناس في الأعمال الفنية.

وسنترك للزمن الحكم على الأشياء التي تكون ممتعة جماليًّا، فهي التي ستحوز رضا الناس بمرور السنين لأن البشر بطبيعتهم يتشاركون في طبيعة مشتركة.

ولكان انتقالنا من نماذجَ عن التذوق المشترك إلى معيارٍ عام للتذوق لن يلزمنا عقلًا بأن نتمسك بأن هذا الفنَّ حقًّا ذو قيمة، لأننا نقلنا الحكم على الأعمال الفنية بمرجعية مشاعرنا وإحساسنا تجاه تلك الأعمال، وليس من خلال الحكم على أشياء متعلقة ومرتكزة أكثر على العمل الفني ذاته.

ميل والمتعة..

ما زلنا في سعيِنا إلى البحث عن قيمة الفن، وقولنا بأن الفن متعة لو عبّرنا عنها بالتسلية نجد أنها لا تفسر التقديرَ الاجتماعي للفن بل يعتبر أننا لا نقول شيئًا تقريبًا!

وكان تعريف چون ستيورات ميل -باعتباره ممثلًا لمذهب النفعية الفلسفي- للمتعة بأنها المقابل النفسي للألم، والحياة مليئة بأنواعٍ شتى من المتع الأرخص والأيسر للاستمتاع مثل: الرحلات وحل الكلمات المتقاطعة، فلو كانت قضيتنا في الفن هي الاستمتاع فبالمقارنة لتلك المتع نجد أن الفن أعلى في القيمة المادية وربما بذخًا.

ولنخرج من هذا المأزق قد ندفع بأنفسنا للتفرقة بين المتع الراقية والمتع الهابطة، وأن الفن يقدم لنا متعًا أرقى من تلك المتع العادية، أو أن نقسم الفن نفسه لفن خفيف وفن جاد، فـ رواية لنجيب محفوظ مثلًا أكثر عُمقًا من عشرات الروايات الملقاة على الأرصفة…

ومن خلال رؤية ميل نجد أن المتع الراقية تتيح لنا قدرًا أكبر من المتعة، وتكون أكثر تكثيفًا بحيث تعوض الإنسان عن أي قدرٍ من الألم والكدر.

“من الأفضل أن تكون إنسانًا لا يشعر بالرضا على أن تكون خنزيرًا يشعر بالرضا، ومن الأفضل أن تكون سقراطًا لا يشعر بالرضا من أتكون أحمق يشعر بالرضا. وإذا كان الخنزير والأحمق لهم رأي مختلف، فإن ذلك يرجع إلى أنهما لا يرون الأمر إلا من زاويتهما فحسب.”[3]

ويمكن تلخيص اهتمامنا بالمتعة في الآتي:

  • رأي الأغلبية يكمن في أن هناك قيمةً أكبر للفن الجاد عن الخفيف.
  • الناس يعبرون عن هذه القيمة بالمتعة.
  • لا يمكن تقديم تفسيرٍ كافٍ للقيمة الأكبر من خلال المتعة وحدها.

ومن خلال وجهة نظر كانط عن “اللعب الحر للخيال” وتطويرها من خلال مفهوم جدامر عن اللعب والرياضة.. نستطيع أن نكون صورةً أكبر لقيمة الفن باعتباره متعة، والعلاقة بين الرياضة ومنها: كرة القدم والفن.

المصادر:

 [1]جوردون جراهام، فلسفة الفن مدخل إلى علم الجمال، 1.الفن والمتعة، بتصرف.

[2]كيندال والتون، المحاكاة بوصفها ألعابا رياضية1990، ص68.


[3]چون ستيورات ميل، مقالة النفعية 1985،ص14

مصطفى مراد
مصطفى مراد
طالب بالهندسة المدنية، كاتب ومدون ومهتم بالعلوم الفلسفية والسينما.

اترك تعليقا