رياضة

عقلية جوراديولا وعقلية الألمان

بعد العزلة التي أصابت جوارديولا، بدأ التساؤل عن العودة التي سيشكلها جوارديولا في عالم كرة القدم، ومن هو النادي أو المنتخب الذي سيقوم بالعمل معه. رأينا نجم بايرن ميونخ يلمع مع يوب هاينكس في عام 2013، وحققوا دوري الأبطال وقدموا نموذجًا ممتازًا من الكرة الشاملة كما يجب أن تكون، فجاء الوقت لإعلان هاينكس رحيله عن النادي، وبدؤوا في البحث عن مدرب يليق باسم النادي ويستطيع حمل إرث هاينكس، فلم يجدوا من هو أفضل من الفيلسوف بيب جوارديولا.

 العقلية

قالها جوارديولا من البداية: “طريقتي كانت التيكي تاكا، وفي برشلونة كان التصرف بعقلية يوهان كرويف في كل شيء (الطريقة التي تبلورت إلى طريقتي)، بينما في ألمانيا هم يريدون المعيشة بعقلية بيكنباور (العقلية الألمانية)”..

فجاء التحدي الأول للمدرب جوارديولا، وهو أنَّ عليه إيجاد حل لإحداث تناغم بين الطريقتين.

التكيف

في إحدى المرات جلس جوارديولا مع أصدقاء كان على معرفة سطحية بهم، كان محور الحديث حول أمر بعيد عن الكرة، فخشوا على جوارديولا ألَّا ينسجم في الحوار اعتقادًا منهم أنه يفهم فقط في كرة القدم، وبعد دقائق اندهشوا جميعًا من قدرة جوارديولا على الانسجام بالحديث بشكلٍ غريب، ومن هنا عرف الجميع أحد أهم نقاط  قوة جوارديولا، وهي التكيف.
جوارديولا شخص يستطيع التكيف مع جميع الأوضاع، بقدرته أن يدخل في الدائرة بعد أن يقرأ مجريات الأمور ويفهم سلسلة الأحداث. ولم يكتفِ بذلك  فقط، بل بمقدوره أن يسيطر على مجريات الأمور ويبدأ في فرض شروطه على الآخرين، كما فعلها في برشلونة، وقد جاء الوقت لفعل نفس الشيء مع بايرن.

إذًا..

قرر الفيلسوف أن يقوم بتقديم طريقة تتناسب مع الفكر الألماني، لكنها في الحقيقة طريقة التيكي تاكا لكن بالنسخة المُعدَّلة، رأينا بايرن يتماثل للطريقة سريعًا سريعًا من مرتدة تتم في ثوانٍ إلى دفاع منضبط ونتائج ساحقة، فرأينا بايرن مختلف، صحيح أنه ينتصر كعادته لكنه يلعب الكل في الكل، بدون أية مخاوف، وهذا تياجو ألكانتارا يبدع، وفيليب لام هو الآخر يكتشف قدرته على اللعب في منتصف الملعب وفي الدفاع، ولحق به ديفيد ألابا وآخرون.

 رأيناهم ينتصرون ويسجلون من الأرض والجو والوضع واقفين ثم طائرين، رأينا ليفاندوفسكي يسجل خماسية في وقت قليل جدًا.

فعلها جوارديولا، وأقنع الألمان أنَّ طريقته من الممكن أن تتناسب مع عقليتهم الألمانية، فحقق الكثير والكثير وأبهر الجماهير بطريقته في الملعب.

ماذا عن البطولات؟

على الصعيد المحلي، واصل جوارديولا تحقيق البطولات والاكتساح، لكنه واجه مشاكل في الناحية الأوروبية، فكان متعثر الحظ  بشكلٍ كبير، ففي كل عام من الأعوام الثلاثة تحدث مشكلة كبيرة تضع الفريق في نفقٍ مظلم.

العام الأول:

في عامه الأول 2014 كانت مشكلته أنه واجه ريال مدريد في أفضل أعوامه منذ عام 2002، قضى المباراة الأولى يلعب بضراوة شديدة، واستطاع تسجيل التعادل (هدف مقابل هدف) في مباراة صمد بها ريال مدريد بشكلٍ لم يحدث من قبل.

وعندما جاءت المواجهة الثانية، أعطى جوارديولا لاعبيه التعليمات المناسبة للعب، لكن حدثت مفاجأة لم يتوقعها أحد، وهي أن الريال فاجأهم وهزمهم برباعية مقابل هدف، واللوم كُلَّ اللوم ذهب إلى جوارديولا، لكن كيف تتصدى لفريق سجل في مرماك ثلاثة أهداف من كرات رأسية متكررة، وفريقك يمتاز بهذه الكرات!

كما أنَّ فيليب لام أثار الكثير من الجدل بعد جوارديولا، وذكر أنَّ لاعبي البايرن خانوا المدرب في هذه الليلة، قرر أريان روبن وفرانك ريبري وتبعهم آخرون  أن يخالفوا تعليمات جوارديولا، فكانت الفاجعة عندما تخالف تعليمات المدرب، فلذلك أرى أنَّ  ما حدث كان منطقيًا تمامًا.

في العام التالي

جاء عام 2015 وبايرن يواصل النجاح الأوروبي ويحطم جميع المقاييس وينهي الدوري قبل النهاية بجولات عديدة، ويتفرغ للأبطال فيجد نفسه في مواجهة برشلونة الذي تسلح بثلاثي الـMSN (ميسي، سواريز، نيمار) في ذلك الوقت، لكن جوارديولا اتصف بالذكاء والمنطقية حينما وجد أنه سيلعب بدون قادة الفريق روبن وريبري وألابا، قالها جوارديولا: سأستطيع أن أُوَقِّف برشلونة بشكلٍ تام، لكن مشكلتي الكبيرة هي كيفية السيطرة على ميسي.

 جوارديولا من درَّبَ ميسي، ويعلم جيدًا أنه لا سبيل إلى إيقافه وهو في أعلى مستوياته، إضافةً إلى أنَّه يلعب بدون قادة فريقه كما ذكرنا.

جاءت المباراة الأولى، وعلم جوارديولا أن عليه غلق خط الوسط على تشافي وإنييستا وبوسكيتس؛ لأنَّه الحل الأنجح لمنع ميسي من اللعب، وبالفعل ذهبت المباراة إلى التعادل حتى الدقيقة 65 تقريبًا، واعتقدتُ- كمشجع لبرشلونة- أنَّ الحلم قد انتهى، لكن المفاجأة أتت من ميسي ورفاقه بعد أن سجل هدفين في 120 ثانية، وجاء الثالث في النهاية.

وما يعطيك الفكرة أنَّ جوارديولا سبَّبَ رعبًا كبيرًا للجميع..أنَّ جميع المحللين والرياضيين قالوا أن المباراة لم تنتهي، وأن البايرن قادر على العودة في الإياب، وبالفعل ظهر بايرن بشكلٍ مخيف ظنَّ  الجميع أن النهاية قد أتت، لكن ما أوقف ذلك أنَّ برشلونة كان في عامه الذهبي، فأخرج البايرن بعد أن هزمه البايرن بثلاثة أهداف مقابل هدفين.

العام الثالث

أما في العام الثالث، فيكفي أننا رأينا مباراة يوفنتوس مع بايرن، في الذهاب انتهت المباراة بالتعادل (هدفين مقابل هدفين) في إيطاليا، حتى أتت مباراة الإياب، وفاجأنا يوفنتوس بتسجيله لهدفين في الشوط الأول على أرض البايرن، تسارعت الصحف لتكتب عن سقوط جوارديولا بفضيحة فيما بين الشوطين.

لكن الفيلسوف قرر أن يعطينا هديةً من هداياه، بأن جعلنا نرى شوطًا ثانيًا بعنوان “الكرة الشاملة كما يجب أن تكون” فضرب يوفنتوس بجميع الأسلحة والطرق، ولعب حتى انتصر بأربعة أهداف مقابل هدفين!!

لكنه اصطدم بشبح أتلتيكو مدريد الذي قدم نفس فكرة مورينيو القديمة أمام جوارديولا، دفاعات مستميتة للغاية والاعتماد على مرتدة واحدة، وبذلك استطاعوا أن يقهروا جوارديولا، وأكدوا السقوط الأوروبي للمرة الثالثة على التوالي.

الخلاصة

هكذا كانت حكاية الفيلسوف مع الألمان، وكيف غزا عقولهم وامتلكها لمدة من الزمن، كيف هم يعشقونه حتى بعد أن تركهم، وكيف ترى بعض الجماهير الأخرى أنه فشل، ولكن هذا أو ذاك ليس مهمًا بقدر الرسالة التي أرسلها أحد المشجعين الأوفياء للبايرن إليه، وسأتحدث عنها في الجزء القادم بعنوان “هل نجح جوارديولا مع بايرن أم لا؟” من سلسلة #فلسفة_جوارديولا_السحرية يوم الإثنين القادم.

فلسفة جوارديولا السحرية

فلسفة جوارديولا السحرية في  عالم الساحرة المستديرة هى سلسلة مقالات تشرح كيف بدأ بيبجوارديولا في منظومة التدريب، و تأثيره في منظومة الكرة الحديثة، وتطويره لمعظم أساليبها، وصياغته لما يسمى ب ” فلسفة بيب ” التي  حطمت الخصوم و جلبت العديد من البطولات، وأصبحت طريقة لعب محبوبة لدى الجميع، طريقة تُجبِر الخصم على الاستسلام التام …

محمد فتحي
محمد فتحي
محلل رياضي مصري ومدير قناة وصفحة الساحرة المستديرة. مهندس حاسبات وتحكم آلي.

اترك تعليقا