تاريخ وسياسة

جمال الدين الأفغاني المثير للجدل

في هدأة الليل وفي سبات الأمة الإسلامية العميق انبعث من بلاد الأفغان صوت ينادى بفجر جديد صوت ينادى: حي على الفلاح، فكان رجعه في كل مكان! إنه صوت جمال الدين الافغاني موقظ هذه الأمة إلى نهضة جديدة ويوم جديد.


المولد والنشأة:


كانت بداية التوغل للاحتلال البريطانى داخل الأقطار الإسلامية وخاصة المنطقة العربية في نفس عام مولد الشيخ الأفغاني 1838م، حيث بدأ المحتل البريطانى بالاستيلاء على عدن بإجبار سلطانها على توقيع تنازل عن مساحة كبيرة من ميناء عدن لصالح بريطانيا وكان ذلك في الثاني والعشرين من يناير أي قبل مولد الشيخ بعدة أشهر فقط.
توالت الاغتصابات للأراضي الإسلامية في المنطقة بنزول البريطانيين في الشام عام 1841م بعد هزيمة الجيش المصري بقيادة إبراهيم باشا، وإقامة الفرنسيين لدولة احتلالهم في الجزائر عام 1848م وصولًا إلى بلاد الأفغان عام 1868م.
نشأ الشيخ في أسرة عالية المنزلة وتؤكد الدراسات وأسرة الشيخ بنفسها نسبها إلى آل البيت ويرتقى نسبها إلى علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
ومما يدل على علو شأن الأسرة ومكانتها فى بلاد الأفغان ما أمر به حاكم الأفغان دوست محمد خان بأن تنتقل أسرة الشيخ بأكملها من منطقة نفوذها إلى العاصمة كابل كي تكون تحت رعاية ووصاية الأمير خوفًا من تزايد نفوذها مستقبلًا وكان الشيخ لم يتعد الثمان سنوات بعد.


انخراطه الأول في السياسة:


نشأ الشيخ في كنف أسرته متعلمًا منها من الصفات أفضلها ومن العادات أحسنها وتربى على الفروسية في كنف الأمير ولازمه طوال غزاوته وفتوحاته حتى وفاة الأمير دوست محمد خان وتولى من بعده ولي عهده الأمير شير علي خان، فانضم الشيخ إلى الأمير محمد أعظم بعد الخلاف بين الأمير شير وإخوانه ومحاولته قتلهم للاستيلاء على الحكم.
انتصر الأمير محمد أعظم وكانت له الغلبة وكانت للشيخ المكانة بأن أصبح الوزير الأول للأمير حتى دبت الخلافات مجددًا وتمكن الأمير شير علي خان من القضاء على أخيه والاستيلاء على الحكم بمساعدة الإمبراطورية البريطانية، وكانت تلك أول المواجهات بين الشيخ والاحتلال البريطانى بأن أوعزوا في صدر الأمير شير بالقضاء على الشيخ فرأى الشيخ أن يغادر البلاد واستأذن الأمير في السفر إلى الهند.
سار الشيخ إلى الهند ليجد جوًا مناسبًا لتجديد دعوته ضد الاحتلال الإنجليزي ولكن ما لبث أن فطن الاحتلال البريطاني وسارع في تعجيل سفره خارج البلاد، فوضعوه على أول سفينة كانت متجهة خارج البلاد وكانت وجهتها إلى السويس في الأراضى المصرية، وبدأ رحلة جديدة من الكفاح.


فكرة الجامعة الإسلامية:


مع بداية ظهور النضوج الفكري والتفهم لمدى الانقسام الذي أصاب الأمة الإسلامية بجميع أطرافها العربية منها والأعجمية، بدأ يفكر في إنشاء الجامعة الإسلامية لتوحيد المسلمين جميعًا على أساس عقائدي بعيدًا عن القومية والمنشأ، مهما اختلفت المسافات فيما بينهم.

في بداية تفكيره، كان الشاغل الأكبر لإنشاء الجامعة الإسلامية -كما ذكرنا- هو العقيدة وكان يمقت كثيرًا فكرة القوميات، وكان يحث جميع المسلمين أن لا يعتدوا برابطة الشعوب وعصبيات الأجناس وإنما ينظرون إلى جامعة الدين التي تحتضنهم جميعًا تحت مبدأ المساواة ولا تفضيل لأحدهم على الآخر إلا بالتقوى مهما اختلفت جنسيته أو مكانته في مجتمعه.
والدليل الذي ساقه الشيخ في ذلك المنهج هو “واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا”، لم يأمرنا الله أن نعتصم بمكان أو بقومية بل بالعقيدة فقط. والمسلمين في بداية دولتهم بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم ينظروا لجنسية خليفته ولكن نظروا إلى مكانته الدينية.
ثم ما لبث أن اقتنع الشيخ بضرورة الحمية القومية وأنها ستكون منهجًا قويمًا مع الحمية الدينية، وذلك لأن فطرة الإنسان مطبوعة على حب الوطن والذود عنه، ولكنه كان يرى أن الحمية الدينية والتعاضد العقائدي في المقدمة قبل الحمية القومية.


بسبب خلاف دَبَّ بينه وبين شيخ الإسلام مفتي الدولة العثمانية حسن فهمي أفندي عاد الشيخ مجددًا إلى القاهرة ولكن لزيارة معالمها ومن ثم عرض عليه رئيس الحكومة رياض باشا المكوث الدائم وعرض عليه مرتب يقارب الألف قرش ووافق الشيخ وبدأ رحلة نشر علومه من بيته.


“فكان الأفغاني يستهدف بنشر أفكاره في مصر أن تثمر فيها تلك الأفكار وتتفاعل مع واقعها الحضاري والسياسي، فتتحول إلى النموذج الذي تتجسد فيه اليقظة الشرقية الحديثة وتقود شعوب الشرق في المهمة الوطنية الكبيرة مهمة ضد الزحف الاستعماري الاوروبي”.


د/محمد عمارة – كتاب “جمال الدين الافغانى -موقظ الشرق وفيلسوف الإسلام”.


تأسيس الحزب الوطني الحر :


أدرك الأفغاني أثناء إقامته في مصر أن نظام الحكم الفردي الاستبدادي القائم فيها يحول بينه وبين ما أبصره لمصر في قيادة حركة التحرر وتوحيد الأمة الإسلامية تحت راية العقيدة.
ولأن حديثه لم يكن موجهًا لفئة بعينها بل كان يستميل عقول المصريين المثقفين منهم والدهماء، فأنشأ أول تنظيم سياسي وطني في العصر الحديث “الحزب الوطنى الحر” الذي ظهر نشاطه علنيًا عام 1879م وتكونت فيه صفوف المفكرين المصريين وقيادات الثورة العرابية فيما بعد.
كان الشيخ الأفغاني يدعو من خلال حزبه إلى قيام حزب دستوري نيابي يلعب فيه الشعب الدور الأساسي والرئيسي للتشريع والمتحكم في مدخلات ومخرجات البلاد، ومحاولة التحرر من نير التدخل الاستعماري للدولة البريطانية.
فكان يقول في ذلك “وحكم مصر بأهلها إنما أعني به: الاشتراك الأهلي الوطني بالحكم الدستوري الصحيح، ذلك أن القوة النيابية لأي أمة كانت لا يمكن أن تحوز المعنى الحقيقي إلا إذا كانت من نفس الأمة وأي مجلس نيابي يأمر بتشكيله ملك أو أمير أو قوة أجنبية محركة لهما فاعلموا أن حياة تلك القوة النيابية الموهومة موقوفة على إرادة من أحدثها”. من كتاب الأعمال الكاملة لجمال الدين الأفغاني.

وكان الأمير محمد توفيق يرتاد على الشيخ الأفغاني ويتشرب من أفكاره ويسانده من أجل دعوته في خلع أبيه الأمير إسماعيل عن العرش وتواصل الشيخ مع شريف باشا في إقناع الخديوي إسماعيل في التنازل عن العرش لابنه محمد توفيق وهو ما حدث فعلًا.
ما لبث الخديوى توفيق أن استقر له الحكم في مصر حتى دبّ الخلاف بينه وبين الشيخ بعد توليه بثلاثة أشهر فقط، فقد كان الشيخ ارتد عن الأفكار الديمقراطية وفكرة الحياة النيابية المصرية الوطنية.

كان الاحتلال البريطاني يسعى لتثبيت نفوذه في مصر ولكنه كان يعلم أنه سيلاقي هجومًا يرده على أعقابه إذا ما تمت الحركة النيابية التي كان يدعو لها الشيخ الأفغاني؛ فسارعوا بالإيعاز في عقل الخديوي لنفي الشيخ خارج البلاد، وهو ما حدث فعلًا، حيث أصدر الخديوي مرسوم باعتقال الشيخ في مساء ليلة الأحد 24 من أغسطس 1879م، ونقل إلى السويس تحت حراسة مشددة ومنها إلى سفينة متجهة إلى مومباي في الهند.

وعلى الرغم أن قادة الثورة العرابية كانوا من تلاميذ الأفغاني ومن الذين مست عقولهم أفكاره، وعلى الرغم من قيام الثورة وإخمادها لكن الشيخ الأفغاني لم يهدأ ولم يتوانى لحظة واحدة عن استكمال عمله وأنشأ جردية “العروة الوثقى” في باريس مع أحد أنجب طلابه الإمام محمد عبده الذي تم نفيه إبان الثورة إلى بيروت ثم طلبه معلمه إلى باريس ليكملوا رحلة الكفاح ضد الاستعمار ومحاولة توحيد الأمة الإسلامية مجددًا.


“إن صح أن من الأشياء ما ليس يوهب، فأهم هذه الأشياء الحرية! الاستقلال!”


الشيخ جمال الدين الأفغاني.
أحمد رزق
أحمد رزق
طالب بكلية الهندسة جامعة طنطا، قسم حاسبات وتحكم آلي.

اترك تعليقا