فن

الفن والعوالم المتعددة للقيمة

الفن بين عالم الفنان وعالم الجمهور

“إن الفنانين يعرفون أن الفن مهما يكون متواضعًا فهو عالم خاص بهم، فإما أن نكون من هذا العالم أو لا نكون، وما لم نكن منه فعلينا أن نلتزم الصمت”


جان برتليمي

إذًا كل من لم يمارس الفن عليه أن يصمت؟ كلا، لا تخف. فنحن لم نولد لنصمت ولا لنتكلم فنغالي في القول، لأنه تم محاولة إسكاتنا عن طريق تمييز في أغلب الظن هو خاطئ، ألسنا نحن -ذوي العالم الآخر- نتميز بأن كل فرد منا “إنسان ذو فن” نتمتع بجمال الأعمال الفنية إن لم تسعفنا الحياة في أن نصير فنانين!

وهو بالفعل ما يخبرنا به جان برتليمي استكمالًا لفكرته..

“كيف نتحدث عن الفن؟ وكيف لا نتحدث عنه؟ هل يراد حرمان المحب من التحدث عما يحب؟ ألا تستطيع الكلمات إثارة المشاعر إذا ما استحال شرح ما لا يقبل الشرح؟ ألا تتمكن الألفاظ من إيصال النشوة؟” [1]

بلى تستطيع الكلمات، وحينما نتأمل عالمنا وعالمهم -إن جاز لنا التقسيم- فنحن متمثلين في الجمهور أو المتلقي، لم نكن في موضع الفنان التشكيلي حين يخوض في “معجون الألوان”، ولا في موضع الأديب حين يتخيل مآسي شخصيات عالمه ويتفاعل معها، أو مكان الموسيقيِّ حين يصنع بموسيقاه موقفه من الحياة.

فما يصلنا من إنتاج الفنان النهائي متمثلًا في لوحة أو رواية أو مقطوعة موسيقية أو غيرها، سيختلف بالتأكيد، فنحن لن نعيشه بتلك التفاصيل التي تمكنت من الفنان حين كان يخلقها، وفي الوقت نفسه يبدو أن عالمهم مشابهًا لحد كبير لعالمنا، فالفنان الذي اختار لنفسه مذهبًا معينًا في التصوير أو النحت أو الموسيقى لا يكون طليق الفكر حين يحكم على مذهب يختلف عن مذهبه، مثلما نحن مقيدين بالفكر إلى حد ما حين نحكم على عالم لم نخضه بعد بالممارسة.

ونرى أننا لو استنرنا بمعرفة أكثر عن الفن ومذاهبه، سنكون أكثر استعدادًا لتفهم أكبر، وربما يكون تفهمًا أكبر من فنان التصق بشخصيته المذهب المنتمي إليه، وتلك المعرفة نستقيها من الفلاسفة الذين تكون خبرتهم الفنية على مستوى من عبقريتهم الفلسفية، وسنجد أن اهتمامهم يكون منصبًّا أكثر علينا نحن الجمهور المتلقي للفن، والذي يبحث عن القيمة، وكذلك منصبة على الفنان الباحث عن القيمة في مذاهب أخرى غير مذهبه دون تحيز، وأقوال الفلاسفة كأقوال الفنانين ليست بقواعد سماوية منزلة نقبلها وعيوننا مغمضة دون نقد.

الفن والقيمة بين العقل والإحساس

ومن هنا نستطيع أن نضع أولى خطواتنا في التعرف على فلسفة الفن التي تستطيع أن تجيب عن أكثر التساؤلات شيوعًا “ما هي قيمة الفن؟”، ولأن الآراء والكتابات في الفن كثيرة ومتشعبة، سنحاول أن نجيب عن هذا التساؤل الشائك من خلال ثلاثة محاور رئيسية تتشابه فيها آراء المفكرين القدماء والمعاصرين، وتتناسب مع تطور الحركات الفنية بعد تطوير المفهوم العام بما يتناسب مع هذا التطور. [2]

وتلك المحاور الثلاثة للقيمة هي:

  • الفن والمتعة.
  • الفن والانفعال.
  • الفن والفهم.

ومازلنا في تمهيدنا لعلم الجمال، ولم نخض بعد في قيمة الفن باعتباره يعيش في عالم الوجد الاستطيقي، والاستطيقا هي الكلمة التي استعملها “بومجارتن” كتأسيس لعلم جديد خاص بالإحساس بالعالم وتمثيله فنيًّا، وهو متعلق أكثر بالإحساسات والتذوق الجمالي، ولكننا سنمضي من خلال المنطق والتحليل العقلي شوطًا في تلك المحاور قبل أن نصل لمرحلة الإحساسات والاستطيقا. وما يلي إيجاز بسيط لتلك المحاور بحيث نستطيع أن نفرد لكل محور مقالة أو أكثر، تستطيع أن تجيب عن تساؤلات أكثر.

الفن والمتعة

عندما تسأل نفسك ما الذي تتوقع أن تحصل عليه من الفن، ستجد الرد التلقائي هو المتعة واللذة، قد تحمل المتعة أن يكون العمل الفني ممتعًا وسارًّا، ولكن ما هو المعيار العام للحكم على الذوق الذي من خلاله نستطيع أن نحصل على قيمة للفن؟ ولو رأينا المتعة بصورة أقرب للترفيه والتسلية ألا يكون فيها تقليل من قيمته، ولو بدلناها بالاستحسان ألن يكون هناك فرق في القيمة حين نصف عملًا ما بأنه مقبول وآخر بأنه حسن؟ أم قيمة الفن في متعته التي تشابه متعة الرياضة حين نشاهد لعبة ما -ولتكن مباراة كرة قدم- فنجني ثمار تجربة دون أن نخوضها؟ ربما تسلل إليك من خلال الأسئلة شعور بقصور فكرة المتعة لتفسير قيمة الفن.

“إذا كانت المتعة هي التفسير الشائع لقيمة الفن فإن الانفعال هو وجهة النظر عن طبيعته”


جوردون جراهام

الفن والانفعال

والانفعال في أبسط صوره هو “أن الفنان ينقل إلى الآخرين من خلال إشارات خارجية يستخدمها بصورة واعية مشاعر عايشها، بحيث يشعر الآخرين بهذه المشاعر ويتذوقونها” [4] ، ويمكن إرجاع وجهة النظر تلك إلى النزعة التعبيرية expressivism، وهي غير المدرسة التعبيرية في الفن expressionism.

ولكن هل فعلًا يهمنا تدفق الانفعالات التي تصل إلينا؟ أم الأسلوب الذي تم التعبير به عن تدفق الانفعالات؟ بمعنىً آخر: هل أغنية بسيطة تعبر عن الحب أكثر قيمة بالنسبة إليك من عمل روائي مركب غير بسيط يعبر عن مجموعة من الانفعالات والمواقف بحيث يستحيل من تركيبها المعقد أن تحدد ما هي الانفعالات المباشرة الصريحة لهذا العمل؟

وهل لابد للفنان بالضرورة أن يمر بهذه السلسلة من التجارب وتدفق الانفعالات حتى تصل إلينا ونفهمها؟

وهل تحقيق أكبر قدر من إثارة الانفعالات علامة مميزة للفن الراقي؟

أم الفن الراقي هو المعتمد على التخيل بحيث تكون الأعمال الفنية إنجازات عظيمة للخيال؟

الفن والفهم

“إن القصيدة لا ينبغي أن تتيح لنا أن نلاحظ هذا العالم، بل أن ندخل فيه بخيالنا ومن ثم أن نفهمه بقدر ما”


جوردون جراهام

فلو تسائلنا عن الكيفية التي يوجه بها الفن وعينا أنها لن تكون أكثر قيمة من التساؤل عن الكيفية التي يثير بها انفعالاتنا؟ ووجهة النظر تلك التي ترى أن الفن قيمته فيما نتعلمه منه، ترجع إلى النزعة المعرفية cognitivism التي تعتمد على الخيال باعتباره عملًا قصديًّا من أعمال العقل ويستطيع أن يوجهه، وبالتالي يكون شكلًا من أشكال الفهم.

ألن يكون في الفن باعتماده على الخيال إثراء للتجربة البشرية؟

ولو لم نصل إلى جواب أخير وحاسم، فإن البحث وطرح السؤال وتقليبه على جوانبه، يكون أولى الخطوات..
كي تتضح الصورة..

المصادر

  • [1]جان برتليمي، بحث في علم الجمال ، صفحة 3
  • [2]جوردون جراهام ،فلسفة الفن مدخل الى علم الجمال، أغلب الاراء الاتية بعد هذا المصدر تعتمد كثيرا عليه بتصرف.
  • [3] ليف تولستوي، ما هو الفن  صفحة 30
  • [4] Tolstoy, in N&R 1995:511
مصطفى مراد
مصطفى مراد
طالب بالهندسة المدنية، كاتب ومدون ومهتم بالعلوم الفلسفية والسينما.

اترك تعليقا