رياضة

انطلاقة جوارديولا التدريبية الأولى مع برشلونة


فترة ما قبل بيب:

 
بعد حصولِ برشلونة على البطولة الأوروبية عام 2006 من بين أيدي فريق أرسنال العنيد، بدأنا نلحظ تراخيًا كبيرًا في لعب برشلونة في العام التالي، وكان السبب الذي جاء من أجله المدرب فرانك ريكارد هو  الانتصار على مدريد والفوز بالدوري، والحصول على لقب أوروبي.


وقد تحقَّقَ، فلم يجد الأنصار والمدرب تحديًّا جديدًا، كما أنهم لم يقدروا على مواصلة نفس النهج،  فاستطاع الغريم الأزلي لبرشلونة -ريال مدريد- أن يحققَ لقب الدوري بل وانتصر على برشلونة برباعيةٍ ساحقة، مِمَّا  جعل الأمورَ تضطرب فى البيت الكتالوني أكثر وأكثر، وقرر الرئيس لابورتا أن يبدأ فترةً جديدة مع برشلونة يجلب فيها مدربًا  جديدًا مع تصعيدِ ناشئين من مدرسة لاماسيا -مدرسة ناشئي برشلونة- وجلب نجومًا آخرين أمثال: تيري هنري، ولم يجد الرئيس لابورتا مدربًا أفضل من مدرب قطاع الناشئين في برشلونة وأعرف الناس بمدرسة اللاماسيا وهو الشاب بيب جوارديولا صاحب الأربعين عامًا في ذلك الوقت.


رأي النُقَّاد وقتَها:


الفكرةُ كانت مجنونةً لكنها مشروعة بعض الشيء، كان لدى الرئيس لابورتا الحقُّ في أن يرى أنَّ باستطاعته الوصول للأمام وتحقيق ما يريدُه.

وعلى صعيد آراء النُقَّاد في  الموضوع فالغالبية لم تكن تتوقع ما فعله جوارديولا…
فيما بعد ظهرت قِلةٌ قليلة بدأت ترى في بيب طريقًا جديدًا  للفريق كي يتنفسَ من جديدٍ لكن لا أحد كان باستطاعته توقع أن جوارديولا سيصل بهذا الفريق إلى ما وصل إليه!


تحديات واجهت الفيلسوف:


جوارديولا علِمَ من البداية أنه سيواجه تحدياتِِ كبيرةً وصعبةً جدًّا، لكنه على العكس لم يقلق ولم يَظهر عليه القلق من اليوم الأول، فقد كان دومًا في جاهزيةٍ تامة لما هو قادم وكأنَّه يعلم ما هو على وشك أن يقوم بإحداثه وما سيغيره في منظومة كرة القدم.


وفيما يلي التحديات التي واجهت بيب:


التحدي الأول:
تصعيد الناشئين..
علِمَ بيب من البداية بصعوبة الأمر فقرر أن يبدأ بالتَسَلُّح بجميع ما لديه من وسائل تساعده على النهوض بحالة الفريق، لاحظ أنَّ  الفريق يهمل مدرسة اللاماسيا بشكلٍ غريب ويعتمد على الصفقات القادمة من الخارج، فقرر أن يقلب الموازينَ خصوصًا لأنه كان مدربًا لهؤلاء الناشئين،  بالإضافة إلى أنه كان من تلامذة يوهان كرويف الذي أعاد مجد مدرسة اللاماسيا، رأيناه يقوم بتصعيد بوسكيتش الذي عرفنا بعد ذلك أنه أفضلُ ارتكازِِ دربه جوارديولا على الإطلاق، بالإضافة إلى آخرين دخلوا إلى المنظومة الكتالونية، رأى جوارديولا أنَّ المزج بين الناشئين والكبار سيكون أمرًا جميلًا إنْ حدث، فقرر أن يشرع بالأمر منذ اليوم الأول.


التحدي الثاني:
مواجهة مدريد..
أحد أهم أسباب مجيء الرجل إلى البيت الكتالوني هو الرغبة في هزيمة مدريد وانتزاع لقب الدوري من بين أيديهم. وفي  حقيقة الأمر الريال كان فريقًا متوسط الأسماء مقارنةً بالكرة الذهبية، لكنَّه كان منظمًا بما يكفي لقهر برشلونة، حتى أنهم قهروا برشلونة قبل مجيء جوارديولا  برباعية وهذه النتيجة لم تحدث منذ مجيء جوارديولا وحتى الآن!!
جوارديولا تسلَّحَ بأحدِ أهم أسلحته و هو الحرب النفسية التي أوقع بها خصومَه، فقد اعتاد الجميع أن يتلقوا الأهداف من برشلونة خصوصًا في  الفترة الزمنية بين الدقيقة 15 والدقيقة 30.. حتى ريال مدريد لم يَفْلَت من هذه القصة فمن المُباراة الأولى هزمهم بسُداسيةٍ ساحقة أذهلت الجميع وأخبرتنا بوحشٍ كاسرٍ قادم في الأراضي الإسبانية، وعلمنا أنَّ الريال لن يستطيع الرد خلال سنواتٍ قادمة!


التحدي الثالث:
تطبيق طريقة التيكي تاكا..  
“كيف تستطيع تطبيق طريقة تعيد بها مجد الكرة الحديثة!
أنت بحاجة إلى عقلية تتسم بالعبقرية وقدرةٍ رهيبة على إيجاد الحلول والدراسة والتطبيق بشكلٍ منظم.


أعتقد أنَّ هذه الفكرة شغلت بيب من اليوم الأول لكنَّه لم ينتظر حتى توَلّيهِ المهمة كي يبدأ التفكير، بل بالعكس قد جاء الرجل ومعه السياسة التي يريد تطبيقها،
الطريقة تُدعَى “التيكي تاكا” وهي طريقة تقتضي بحرمان الخصم من الحصول على الكرة أطول فترةٍ ممكنة عن طريق تمريراتٍ مُحكَمَة بشكلٍ لا يستطيعُ كسرَه أيُّ فريقٍ آخر.


أُعجَب بيب بما قدمه كرويف وما أعطانا إياه مارسيلو بيلسا وغيرهم من عباقرة كرة القدم، لم يكتفِ جوارديولا بالتقليد بل قرَّرَ أن يقوم بالتطوير وإيجاد فلسفةٍ جديدة تتكون هي طريقته فى إرعاب الخصوم.


و في إحدى المرات ذهب أحد الإعلاميين إلى إحدى تدريبات فريق برشلونة تحت قيادة بيب جوارديولا؛ لأنه قرر أن يرى كيف يتدرب هؤلاء اللاعبون الذين لا يقومون  بارتكاب أخطاءٍ في تمرير الكرة على الرغم من أنهم يقومون بتمريرها لمدة 90 دقيقة دون أن يشعروا بالملل، حينها رأى جوارديولا في إحدى فقراته التدريبية يجعل كل لاعبٍ يقف في مكانِه المُحدد في الملعب ويضع على عينيه شارةً سوداء تحجب عنه الرؤية تمامًا، و يأمر اللاعبين بالمناداة على حامل الكرة الذي لا يتحرك، وينتظر حتى يسمع من أين يأتيه الصوت حتى يمرر الكرة فى هذا الإتجاه!!
هكذا استطاع أن يجعلهم يمررونها بدقةٍ تصل إلى الـ 90% وتتخطاها بشكلٍ مميزٍ، فعلها جوارديولا حين فشل الآخرون في ذلك.


التحدي الرابع:
العودة  الأوروبية
منذ الانتصار بالبطولة الأوروبية في عام 2006، بدأ برشلونة بالتراخي شيئًا فشيئًا، وبدأ نجمهم الأوروبي يبهت نوعًا ما في عام سقطوا به في بطولة الميلان في 2007 وعام انهزموا فيه من كتيبة مانشستر يونايتد بقيادة السير أليكس فيرجسون في 2008.
لحظة أن جاء بيب قرر أن يرعبَ الجميع، الفرق أصبحت تسقط  تباعًا حتى انتصر بالبطولة الأوروبية في عام 2009 بالانتصار على اليونايتد .


جوارديولا في هذا العام أظهر للجميع غولًا جديدًا لم تكن أوروبا جاهزةً لمواجهته، أصبح الفريق في منطقةٍ بعيدة جدًّا عن باقي الفرق، رأيناهم ببساطة يقهرون البايرن برباعية وفِرَقًا كبيرة مثل اليونايتد والريال والميلان وأرسنال، استطاع أن يثبت للجميع أن برشلونة قادمةٌ على الوجه المحلي والأوروبي بطريقةٍ تسبق الجميع بسنة ضوئية على الأقل.


الخلاصة..


انطلاقة الفيلسوف مع برشلونة لم تكن سوى البداية للقنابل الموقوتة التي فجَّرَها جوادريولا على الصعيد الأوروبي والمحلي.

وفيما هو قادم سأتحدث في الجزء الثاني عن عام 2011 وعام ميسي والمهاجم الوهمي والبطولات الغزيرة، فانتظروها…

فلسفة جوارديولا السحرية

في عالم الساحرة المستديرة هي سلسلة مقالات تشرح كيف بدأ بيب جوارديولا  في منظومة التدريب، وتأثيره في منظومة الكرة الحديثة، وتطويره لمعظم أساليبها وصياغته لما يسمى بـ ” فلسفة بيب” التي حطمت الخصوم وجلبت العديد من البطولات وأصبحت طريقةَ لعبٍ محبوبة لدى الجميع، طريقة تُجبِر الخصم على الاستسلام التام…

الكلمات الدلالية
محمد فتحي
محمد فتحي
محلل رياضي مصري ومدير قناة وصفحة الساحرة المستديرة. مهندس حاسبات وتحكم آلي.