علوم

المبالغة في التفكير.. مرضٌ أم ضمانٌ؟

يصنف بعض العلماء المبالغةَ في التفكير كأحد الاضطرابات -الأكثر شهرة- التي تؤثر سلبًا في حياة البشر يوميًّا؛ فكيف يكون التفكير مرضًا؟

عام ٢٠٠٤ أوضح العالم الأمريكي Barry Schwartz في كتابِه Paradox of Choice أن التفكير الزائد نظريًّا يضمنُ نتائجَ أفضل؛ فهو يتيح دراسة كل الاحتمالات الممكنة، لكنه في المقابل يسببُ القلق وصعوبة اتخاذ القرار، وفي بعض الأحيان عدم الرضا عنه.

كيف يصبح التفكير الزائد عائقًا؟

في عام ٢٠١٠ أوضحت دراسة LexisNexis أن الموظفين يقضون نصف وقتهم في تلقي وترتيب المعلومات أكثر من استخدامها في تنفيذ العمل.

ولهذا يُرجِع البعض أضرار التفكير الزائد إلى أنه مضيعة للوقت، لكن في دراسات حديثة أُثبت أن قضاء وقت أطول في تحليل القرارات والاحتمالات يزيد من صعوبتها، فمع الوقت يشعر الشخص بأن الأمور تتعقد أكثر من اللازم، ووُصف ذلك بظاهرة تحدث في الدماغ عند المبالغة في تحليل الأمور تُسمى ب analysis paralysis، وقد اتضح بالتجارب العملية أن تلك الظاهرة تؤثر سلبًا على إنتاجية الشخص واتخاذه للقرارات -أكثر من تأثيرها على الوقت- وذلك كالآتي:

١- التقليل من الأداء في المهام التي تتطلب مجهودًا ذهنيًّا

أثناء أداء مهمة معينة فإن جزءًا من الذاكرة يعمل على تركيز المعلومات للقيام بالأمر، وصف العالمان sian beilock وThomas Carr ذلك الجزء من الذاكرة بأنها ذاكرة تعمل بنظام قصير المدى، تُحافظ على كمٍّ معين من المعلومات التي لها صلة كبيرة بالعمل محاولة بذلك التقليل من الإلهاء الذي يتعرض له الدماغ عن طريق معلومات وأفكار أقل ارتباطًا بهذا العمل، ففي حالة قلت قدرة الذاكرة على التركيز، فإن الأداء يتأثر سلبًا.

هذه الذاكرة في أدمغتنا محدودة بقدرٍ معين من المعلومات -يختلف من شخص لآخر، لا تستطيع أن تزيد عنه، وفي حالة حدوث ذلك تتعرض إلى اضطرابات تؤثر على الأداء بشكلٍ ملحوظ، من الممكن أن نَصِف هذا الأمر بذاكرة الحاسوب؛ لها مساحة محددة للتخزين لا يمكن أن نسجل به معلوماتٍ تزيدُ مساحتُها عن المساحة المتاحة، لكن في المقابل يمكننا تبديل معلومات بأخرى، وذلك تحديدًا ما يحدث في الذاكرة، فزيادة التفكير في الاحتمالات هو ما يزيد المعلومات المستقبَلة في الدماغ؛ مما يُحدِث تشتتًا بها يقلل التركيز والجودة ويزيد من نسبة الخطأ.

كما أن الدراسات الحديثة أثبتت أن القلق والضغط يؤثران سلبًا على أداء الشخص، فمثلًا قلقك على أدائك في الامتحان يقلل من قدرتك على اجتيازه بشكلٍ أفضل، حيث أن القلق والضغط يشكلان أفكارًا مشتتة يمكنها التقليل من مساحة الذاكرة المتاحة للقيام بالعمل.

وعندما تقوم بالتحليل المبالغ للأمور فذلك يُدخل إليك القلق والإحساس بالضغط كأفكارٍ مشتتة يمكنها بالتبعية أن تقلل من قدرتك على الأداء والإنتاج.

٢- قتل القدرة على الإبداع..

دراسات حديثة لجامعة Stanford تقترح أن التفكير الزائد لا يؤثر على الأداء فقط، وإنما أيضًا يؤثر على جودته وقدر الإبداع فيه.

قام العالم Grace Hawthorne بتجربةٍ يمكنها قياس درجة الإبداع بشكلٍ علمي، بحيث يجلس الشخص مُعرَّضًا لأحد أنواع أجهزة الرنين المغناطيسي الذي يمكنه أن يصور نشاط الدماغ، ثم طُلب من كل شخص أن يرسم مجموعة من الصور مستنِدًا في ذلك على كلماتٍ معينة خلال ٣٠ ثانية لكل كلمة.
فوُجد أن جزء من الدماغ يرتبط نشاطه بالتفكير prefrontal cortex كان نشطًا في حالة الرسوم التي وصفها المشاركون بأنها صعبة، في حين وُجِد جزءٌ آخر من الدماغ يتعلق بالحركة Cerebellum نشطًا في حالة الرسوم التي حقق فيها المشاركون نقاطًا أعلى على مقياس الإبداع (٠-٥)، مما يوضح أن كلما فكر المشاركون أقل كان إنتاجهم أكثر إبداعًا.

استنادًا على هذه التجربة فقد أقرت الدراسات أن قدرتك على القيام بعملك بإبداع تقل كثيرًا مع التفكير الزائد.



٣- التفكير الزائد يجعلك أقل سعادة

حسب أربع دراسات مختلفة في جامعة Swarthmore فإن اتخاذَ وقتٍ طويل في تحليل الاختيارات واتخاذ القرار، رغبةً في الوصول إلى القرار الأمثل، يزيد من احتمالية سقوط الشخص في فخ المقارنة بين ما ترتب على اختياره وما كان من الممكن أن يحدث في حال اختياره القرار الآخر، ولذلك فإن الأشخاص الذين يميلون إلى اتخاذ قرار مناسب أكثر منه مثالي هم من يحصلون على الكم الأكبر من السعادة؛ ويرجع ذلك إلى رضاهم عن قراراتهم، حتى وإن كانت تحتمل بعض الخطأ.

٤- تقلل من قوة الرغبة تجاه الأمور بشكلٍ ملحوظ

في إحدى الدراسات الخطيرة التي أقيمت في the National Academy of Science تم متابعة قرارات بعض القضاة لمدة تزيد عن ١٠ أشهر، وجدوا أن قرارات القضاة تختلف بين الفترات المختلفة من اليوم، فمثلًا القرارات تكون أكثر عقلانية في الأوقات المبكرة من الصباح وبعد تناول الطعام، أما في نهاية يوم أو جلسة مرهقة تشوب القراراتِ الكثيرُ من التساؤلات.

أرجع العلماء هذه الظاهرة إلى تعرض القضاة إلى ما يسمي ب decision fatigue، فكل قرار نقوم به يمر بنفس المسار من قوة الرغبة، و هو ما يفسر الأمر في حال أننا شبهنا الرغبة بالعضلة، فكلما كان استخدامها كثيرًا تعرضت للتعب أسرع، كما أوضحت الدراسة أيضًا أن النشاط الزائد لهذه العضلة يقلل من قدرتها، فمثلًا تختفي رغبتك الشديدة في إكمال يوم كامل على النظام الغذائي الموضوع لك تقريبًا بعد وجبة الإفطار؛ لأن التفكير في عواقب الأمور والمميزات والعيوب وما فاتك وما سيفوتك يسبب لعقلك الإرهاق، تختفي حينها قوة رغبتك فتفضل أن تنهي اليوم بطعام غير صحي وأن تبدأ في يومٍ جديد في قرارٍ يبدو منطقيًّا لدماغك في ذلك الوقت الذي أُنهك من التفكير.


هل للمبالغة في التفكير تأثيراتٌ أخرى؟

بالطبع، في واحدةٍ من أكبر الدراسات التي أقيمت، حيث استندت على دراسة ٤٠٠٠٠ ألف شخص من ١٧٢ دولة مختلفة، في جامعة ليڤربول بقيادة العالم Peter Kinder-man أُثبت أن هناك علاقةً كبيرة بين المبالغة في التفكير وبعض الأمراض التي تصيب الإنسان ومنها الاكتئاب، فكلما زاد الشخص من قدر المبالغة في التفكير زادت فرَصُهُ في الإصابة بالاكتئاب.

كما وصفت Susan Nolen-Hoeksema هذه العلاقة بأن المبالغة في التفكير هي سر البؤس -أو قلة السعادة- “the secret to unhappiness“، موضحةً في دراساتها على “المبالغة في التفكير”، والتي أمضت فيها معظم حياتها تقريبًا، أن لها علاقةً وثيقة بالإصابة بالاكتئاب، وتعتبر من أكثر العوامل المؤدية لذلك.

كيف يمكن علاج المبالغة في التفكير؟

ربما هي ليست طرق للعلاج بالمعنى الحرفي، لكنها تُقلل من حدة الأمر وتقلل من تأثيره وهي كالآتي:

١- أن تحدد عناصرك الرئيسية..
من المعروف أن الإنسان يضيع الكثير من طاقته ووقته في التفكير بموضوعاتٍ أقل أهمية من غيرها؛ لذا عليك تحديد موضوعاتك الرئيسية التي تُهمك أكثر من غيرها تجنبًا للتفرع إلى ما لا يفيد.

٢- أن تُخرج الأفكار من رأسك وتشاركها مع شخص آخر..
قال Danial Gilbert أن في العام يبالغ الناس في تحديد كم الحزن الذي سيشعرون به بعد الرسوب في الاختبار أو الرفض في مقابلة عمل أو غيره، وفي المقابل يبالغون في تحديد كم السعادة التي سيشعرون بها عند الفوز بالترقية أو الانتقام من شخصٍ ما أو حتى الدخول في علاقة جديدة.

ولذلك فإن الآخرين يملكون قدرًا أكبر من العقلانية عند الحكم على أمورِِ في حياتنا؛ لذا عندما تفكر كثيرًا في نفس الأمر عليك أن تقابل صديقًا أو شريكًا أو زميلَ عملٍ وتشارك معه أفكارك، فالقرارات التي يتخدها الآخرين بدلًا منا غالبًا ما تنول الرضا لدينا.

٣- ضع جدولًا ليومك..وذلك لضمان الابتعاد عن الولوج في موضوعاتٍ فرعية ترهق عقلك، واحرص أن يكون الجدول مزودًا بـdeadlines؛ فهي تساعدك على التركيز على إنجاز المهمة.

هناك الكثير من الأمور الأخرى التي يمكنها أن تقلل من المبالغة في التفكير وتأثيرها، لكن فقط عليكم البحث عن الحلول والتوقف عن الاعتقاد بأنها طبيعةٌ عادية ليس لها أي توابع.

محمد الديب
محمد الديب
طالب بكلية الأسنان جامعة طنطا.

اترك تعليقا