تاريخ وسياسة

الأزهر الحاضر الغائب


في الثاني والعشرين من يونيو من العام ٩٧٢ م الموافق السابع من شهر رمضان 361 هـ، وفي تمام الثانية عشرة ظهرًا كان المؤذن يعتلي مئذنة الجامع الأزهر معلنًا انطلاق أذان صلاة الجمعة، وكانت أول صلاة في الجامع الأزهر.


التأسيس


أُنشئ الجامع الأزهر على يد جوهر الصقلي عندما تم فتح القاهرة على يد القائد الفاطمي المعز لدين الله -أول الخلفاء الفاطميين- فى مصر. وبعدما أسس مدينة القاهرة العاصمة، شرع في تأسيس الجامع الأزهر ووضع أول لبنة في تأسيسه في الرابع عشر من شهر رمضان 359 هـ – 970 م.

اهتم الفاطميون بالجامع الأزهر ولم ينظروا إليه على أنه مجرد جامع فقط، ولكن منارةً للعلم الديني ولنشر تعاليم المذهب الشيعي التي امتدت طيلة مئتي عام كاملة حتى فتحها صلاح الدين الأيوبي، وأنهى المذهب الشيعي في مصر.


ما بين صلاح الدين والمماليك:


أهمل صلاح الدين ومن تبعه الأزهر لمدة امتدت ٩٨عامًا وحولوا الصلاة لمسجد الحاكم بأمر الله، وتعرضت مكتبة الأزهر للإهمال، ولكن ظل مركزًا لفقه اللغة العربية ومكانًا للتعليم طيلة تلك الفترة حتى مجيء المماليك، وعاد الاهتمام بالجامع الأزهر جامعًا وجامعةً، وعادت إليه الحياة بعودة الصلاة مجددًا واستعاد مكانته كجامعة دينية عريقة ورائدة في العالم الإسلامي في العلوم الدينية.


اضطهاد الشيعية:


تبلور المذهب الإسماعيلي أثناء الخلافة الفاطمية في القاهرة واكتسب صفاته المميزة واكتمل بناؤه العقائدي. وحسب المذهب الإسماعيلي كان الخليفة الفاطمي الإمام هو الشخص الذي تجتمع له السلطتان الدينية والدنيوية للمرة الأولى منذ خلافة علي -رضي الله عنه-.

كان موقف صلاح الدين المتشدد تجاه الفاطميين نابعًا من عقيدته السنية واتباعه للمذهب الشافعي، لذلك عمل على محو كامل آثار الفاطميين ومذهبهم الشيعي من البلاد نهائيًا بأن بدأها بحرق دار الحكمة التي كانت تحوي تاريخ ومخطوطات الفاطميين في مصر، وكما ذكرنا سابقًا أغلق الجامع الأزهر ونقل الصلاة لجامع الحاكم بأمر الله وأقر بالمذهبين الشافعي والمالكي فقط مذاهب الدولة الرسمية.


دولة المماليك:


تابع المماليك سياسة الأيوبيين في تثبيت مذاهب أهل السنة والجماعة في مصر والشام، لكنهم جعلوا المذاهب الأربعة كلها: الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية، مذاهبًا رسميةً للدولة. وكان من أسباب تمسك المماليك بالمذهب السني هو أنه كان الشيء الوحيد الذي يجمعهم بالشعب خاصة أنه كان المذهب الرسمي من أيام دولة صلاح الدين وأن أغلب المصريين يعتبرون المماليك ينحدرون من أصل غير حر وانقلبوا على أسيادهم، لذلك كان لزامًا على المماليك أن يبحثوا عن رابط يجمعهم بالمصريين ألا وهو المذهب السني.


الفترة العثمانية:


ازدهر الأزهر خلال تلك الفترة ازدهارًا لم يسبق له مثيل، واستعاد دوره كمؤسسة يفضل التعلم بها في مصر، وتفوق على المدارس التي وضعها صلاح الدين وتوسع الأزهر كثيرًا في تلك الفترة.

كان للأزهر في تلك الفترة تأثيرٌ على الشعب، ونقطة محورية للاحتجاجات ضد الحكم العثماني والظلم الحاصل في تلك الفترة، وكان بمثابة الملجأ الوحيد للشعب حينها ويمكن تلخيص قوة ذلك الملجأ في حادثتين:

أولهما: في أحد أيام ربيع الأول 1200 هـ – يناير عام 1786 م نهب حسين بك شفت وجنوده دارًا لشخص يدعى أحمد سالم الجزار نهارًا ظلمًا وعدوانًا. ثارت الجماهير وتجمعت واتفقوا على الالتجاء إلى أقوى العلماء وقتها في الأزهر، الإمام الدردير، الذي بدوره نادى في الجماهير غير وجل، وأمرهم بالتجمع في اليوم التالي لنهب بيوتهم كما نهبوا بيوتنا وإما نسترد ما لنا أو نموت شهداء.
عندما وصل ما حدث إلى إبراهيم بك القائم بالشئون الإدارية وقتها خاف على منصبه من الزوال إذا علم الخليفة العثماني، وبعث بمجموعة من الأمراء للشيخ الدردير يعتذر منه وأمر الأمراء بكف أيديهم عن الشعب كما طلب قائمة بما تم نهبه ليتم إعادته.

وكان للأزهر أن يضع أول قاعدة دستورية، وهي الحكم احترام لإرادة المحكومين.

ثانيهما: عندما اشتكى فلاحو إحدى قرى بلبيس من ظلم محمد بك الألفي ورجاله إلى الشيخ عبد الله الشرقاوي شيخ الأزهر وقتها، وكان هذا في عام 1795 م. بلّغ الشيخ الشرقاوي الشكوى إلى مراد بك وإبراهيم بك ولكنها أهملا الشكوى. فما كان من الشيخ إلا أن اجتمع بالعلماء واتفقوا على إغلاق أبواب الأزهر، وأمروا الناس بغلق الحوانيت والأسواق استعدادًا للقتال.

وفي اليوم التالي سار الشيخ الشرقاوي إلى منزل الشيخ السادات مع باقي العلماء يستشيرونه فيما اتفقوا عليه وكان منزله قريبًا من قصر إبراهيم بك وعندما علم بالتجمع أرسل إليهم يسألهم عن مطلبهم، فسألوه رفع الظلم عن الناس فأجابهم أنه لا يمكن ذلك وإلا ضاقت عليهم، فقالوا له إنه ليس بعذر عند الله وصمم الشيوخ على القتال، فما كان منه إلا أن يبرئ نفسه ويلقي اللوم على مراد بك. وفي اليوم التالي اجتمع الثوار أمام منزل مراد بك وتنازل تهدئةً للموقف ووافق على مطالبهم وهي عدم فرض ضرائب جديدة وعدم مد أيدي الحكام بالظلم تجاه الشعب.

وهكذا أعلن الأزهر قاعدته الدستورية الثانية:
كانت القاعدة الثانية متواجدة ضمن نداء الأهالي بعد انتصارهم “حسب ما رسمه سادتنا العلماء بأن جميع المظالم والحوادث والمكوس باطلة من مملكة الديار المصرية”.

من كتاب “الأزهر في ألف عام” المجلد الأول الباب الأول للدكتور محمد عبد المنعم خفاجى والدكتور علي علي صبح.


الحملة الفرنسية:

لم تكد تستقر الحملة الفرنسية في مصر وتوطد أركانها في مختلف أقطار الوطن حتى وجه نابليون أنظاره تجاه الأزهر باعتباره المحرك والمعسكر العام للثورة ضد الفرنسيين، فقبض على زعماء الثورة وحاكم رسميًا من علماء الأزهر الشيخ إسماعيل البرواي والشيخ أحمد الشرقاوي والشيخ عبد الوهاب الشبراوي وغيرهم.

لكن لما دخلوا لم يقتصروا على نهب أموال المماليك، بل نهبوا الرعايا وقتلوا جملة من الناس لما قامت عليهم أهل مصر، بسبب طلبهم غرامة على البيوت وقتلوا منهم ما يقرب من 100، وهتكوا بعض الاعراض وقتلوا من علماء مصر ما يقرب من الثلاثة عشر عالمًا ودخلوا بخيولهم الجامع الأزهر.

من كتاب تحفة الناظرين للشيخ عبدالله الشرقاوي.

ولما أمر كليبر باعتقال الشيخ السادات ومصادرة أملاكه وتعذيبه، كان ذلك أحد الأسباب التي أدت إلى مقتله على يد سليمان الحلبي، واستطاع السيد عمر مكرم تعبئة النفوس ضد الفرنسيين بمعاونة باقى العلماء.

وبعد جلاء الفرنسيين عن مصر اجتمعت المقاومة على رأسهم السيد عمر مكرم والشيخ عبد الله الشرقاوي متمثلين في الزعامة الشعبية للثورة باختيار محمد علي واليًا على مصر.


فترة النهضة الحديثة:


بعد تولى محمد علي منصب الوالي، سعى لتوطيد سيطرته على مصر وكانت أولى الخطوات لتحقيق ذلك هو إضعاف نفوذ الأزهر، لما يعرفه من مكانةٍ للأزهر عند الشعب، فقد قام بفرض ضرائب على الأراضى التابعة للأزهر والمساجد والمدارس الدينية، كما قام بأخذ جزء كبير من مداخيل الأزهر ثم قام بضم جميع أراضى الأزهر إلى أملاك الدولة، مما أثار غضب العلماء وسعى عمر مكرم لثورة جديدة في يونيو 1809 م، ولكنها فشلت وحكم عليه بالنفي خارج البلاد.

سعى أيضًا محمد علي إلى توزيع المناصب الحكومية إلى أولئك الوافدين من خارج الأزهر، كما أوفد الطلاب في البعثات لفرنسا لتلقي التعليم الغربي.


بداية التهميش:


توقفت طبيعة دور الأزهر الشريف على مر تاريخه بناء على علاقته مع السلطة الحاكمة والظروف السياسية السائدة في تلك الأوقات مثلما أتاحت لها الدولة المملوكية كامل طاقتها ليقوم بدوره من تعبئة الناس وقيادة الحركة السياسية وأن يكونوا حركة الاتصال بين الحكام والجماهير.

ومن بعدها اضطرت الظروف السياسية وقتها إلى إجبارهم على التنحي قليلًا في عهد محمد علي، لعلمه بمكانتهم وقوتهم كما ذكرنا آنفًا، والبدء في تولية من يمكنه من توطيد حكمه وحكم أسرته امتدادًا حتى ثورة يوليو 1952 م.

كان لفطنة النظام الناصري وعلى رأسهم الرئيس جمال عبد الناصر دورًا في استمالة المؤسسة الأزهرية لصالحه من أجل اكتساب شرعية تضاف لنظامه ولمواجهة مد الحركات الدينية المناوئة.

فعمل على إصدار عدة قوانين تضعف من قوة الأزهر مثل قانون إلغاء الوقف الأهلي وإلغاء المحاكم الشرعية وإنشاء المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ليستمد منه شرعيته الإسلامية بديلًا عن الأزهر.

وفي عهد الرئيس السادات لم تختلف رؤية النظام لدور الأزهر كثيرًا وحاولت استمالة المؤسسة الأزهرية، خاصةً مع ظهور ما يسمى بطوفان العنف الديني التي انتقلت وبقوة إلى العصر المباركي.

ننقل لكم السطور التالية التي يلخص فيها محمد عوض وجهة نظره من كتاب “الأزهر.. أي مستقبلٍ ينتظره؟”


“يمكن تلخيص دور الأزهر بداية من سقوط الملكية وحتى الآن في سياق العلم الديني والمرجعية الدينية الإسلامية الأولى للعالم الإسلامي فقط، ولا يتدخل في المعمعة السياسية إلا بما يمليه عليه النظام فقط، حتى وصل الأمر لقول بعضهم أن استقلالية الأزهر هشة ولا تظهر إلا ما يسمح لها النظام فقط”.

الكلمات الدلالية
أحمد رزق
أحمد رزق
طالب بكلية الهندسة جامعة طنطا، قسم حاسبات وتحكم آلي.