رأي

تحدي العشر سنوات| مجرد تسلية أم يكمن وراءه سرٌ كبير؟!

هل سألت نفسك يومًا عندما كنت تضغط على هذه الروابط المنتشرة على فيس بوك مثل: رابط (شاهد ماذا ستكون في المستقبل)، أو (شاهد من يشبهك من المشاهير)، أو (ما المفاجأة التي تنتظرك هذا العام)، أو غيرها، ما أهمية هذه الالعاب المنتشرة بين أصدقائك؟ هل هي لغرض التسلية مثل فيس بوك نفسه؟ أم يكمن ورائها شيء آخر؟ وإن كان هناك شيء ما فهل فكرت أنه قد يكون مؤذيًا لك بطريقة ما؟! ربما اختراق لبياناتك الشخصية مثلًا! وهو ما سنعرفه في هذا المقال، عندما نتحدث عن هذا التحدي الذي اجتاح معظم منصات السوشيال ميديا في الفترة الراهنة.

تحدي العشر سنوات أو 10 year challenge

هذا التحدي الذي اجتاح ولا زال يجتاح جميع مواقع السوشيال ميديا، وبالأخص موقع فيس بوك، ويتضمن هذا التحدي مشاركة كل فرد صورة له من حوالي عشر سنوات مع صورة أخرى في الوقت الحالي، وتحت هاشتاج 10 year challenge#

وبالفعل انتشر التحدي بسرعة كبيرة، وازداد عدد المشاركين فيه بدرجة ملحوظة، ولم يقتصر فقط على مشاركة بعض الناس من متداولي فيسبوك، بل امتد ليضم نجوم هوليوود والعالم العربي، بل ولاقي رواجًا كبيرًا بينهم.

إذ نشرت المغنية الأمريكية (مادونا) صورة لها عبر حسابها الرسمي على موقع إنستجرام بين عامي 2008 و2018 كما يقتضي التحدي، وعلقت عليها قائلة: “على ما يبدو هناك المزيد”. ولم تكن مادونا الوحيدة التي شاركت في التحدي، إذ لحقها كثيرون، نذكر منهم الممثلة الكوميدية الأمريكية (إلين دي جينيريس)، والممثلة (جيسي كابرييل) وغيرهم من مشاهير العالم العربي بأجمعه.

اعتبر كل هؤلاء أن هذا التحدي ما هو إلا لعبة لغرض التسلية، ولم يفكر أحد أنه قد يكون نوع جديد من أنواع اختراق البيانات الشخصية، وهو ما حذر منه موقع (ذا ويرد) المتخصص في الأخبار التقنية.

حيث  نشر الموقع مقالًا مساء الأربعاء، قال فيه أن هذا الأمر ليس مجرد تحدٍ أو ذكرى، بل هو أمر تتخطى خطورته إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير.

وقالت كيت أونيل -الباحثة الأمنية الإلكترونية-: “بدلاً من المشاركة في هذا الهوس على فيسبوك، ينبغي أن نأخذ حذرنا جميعًا”.

وأضافت عبر تويتر: “ذلك الهوس خطير بطبيعته، خاصة لو أدركت سيناريو كيف أن التعرف على الوجوه خلال 10 سنوات، يمكنه أن يطور خوارزميات، يمكنها اختراق -بصورة أكثر عمقًا واتساعًا- بياناتك الشخصية التي تشاركها من دون أي تحفظات”.

وقالت أونيل: “إن نشر تلك الصور في ذلك التحدي يكون بمثابة تدريب لخوارزمية التعرف على الوجوه، وخصائصها المرتبطة بعمر المستخدم، على نحو أكثر تحديدًا، بناءً على مدى التقدم في العمر، وهو ما يظهر على سبيل المثال كيف سيبدو الناس وهم يتقدمون في العمر”.

وأوضحت أن هذا سيمنح شركات التقنية -وأبرزها فيسبوك- مجموعة بيانات واسعة وصارمة مع الكثير من صور الناس، وهو ما سيمنحهم المزيد من إمكانية التحكم والتدخل في خصوصية المستخدمين.

ولكي نفهم أكثر، تخيل أنك تريد تدريب خوارزمية لتمييز الوجوه على صفات متعلقة بالسنّ -وخوارزمية التعرف علي الوجه هي عبارة عن خطوط هندسية تقوم بتحديد شكل الوجه والتعرف عليه بسهولة في صورة ديجيتال-، وتحديدًا على “أثرالتقدّم في السن” (مثلًا، كيف من المرجّح أن يبدو شخص عندما يتقدّم في السنّ).

نظريًّا: ستحتاج إلى قاعدة بيانات واسعة ودقيقة، فيها الكثير من صور الناس. سيساعدك لو عرفت أن بين موعد التقاط كل صورتين عدد ثابت من السنوات، لنقل إنها عشرة.

ربما يتبادر لذهنك سؤال الآن: إن العديد من الأشخاص يشاركون صورهم علي فيس بوك بدون تحدي فيمكننا استخراجها من صفحاتهم بسهولة؟!

لكنه قد ينتج هذه المجموعة الهائلة من صور البروفايل الكثير من النتائج الناشزة، غير المفيدة، فلا ينشر الناس، بالضرورة، صورهم بترتيب زمني. وغالبًا يضع المستخدمون صورًا لغير أنفسهم كصورٍ للبروفايل، فبنظرة سريعة لصور البروفايل الخاصة بأصدقائي على فيسبوك، تبيَّن أنها تحتوي على صورة لورود جميلة لأحد الأصدقاء، وعلى العديد من الشخصيات الكارتونية، وصور لكلمات، وأشكال مجردة، وغيرها.

بمعنى آخر، سيساعدك لو حصلت على مجموعة نظيفة، وبسيطة، ومصنفة على نحو مفيد، من الصور التي على شاكلة سابقًا/الآن. فضلًا عن ذلك، ففي صور البروفايل على فيسبوك، لا يطابق تاريخ النشر بالضرورة تاريخ التقاطها الفعلي.

وبفضل هذا التحدي، توجد الآن قاعدة بيانات ضخمة، ومنسقة بعناية، لصور للناس تعود تقريبًا لعشر سنوات، إلى جانب صور حديثة.

وقد اعتبر هذا بمثابة اتهام لفيسبوك بجمع أكبر عدد من المعلومات والصور في خلال عشر سنوات لتحقيق فائدة مادية منها بالشراكة مع بعض شركات الإعلان.

وقالت شركة فيسبوك إنه “لا علاقة لها بهذا التحدي”، وأضافت: “التحدي الذي من صنع المستخدمين، وبدأ بشكل تلقائي من دون أي تدخل منا”، وفق ما ذكرت صحيفة الإندبندنت البريطانية، الجمعة.

وأكدت الشركة أن مشاركة الملايين عبر العالم في تحدي السنوات العشر، والمشاركة فيه على نطاق واسع، دليل على المتعة التي يجدها المستخدمون في فيسبوك، وهذا كل شيء.

وقد واجه رد فيسبوك موجة استنكار من ملايين المستخدمين، الذين أشاروا إلى فضائح وتعديات سابقة للشركة على بياناتهم من دون علمهم، والتي كان أبرزها تسريب حسابات لصالح شركة كامبريدج أنالاتيكا في بريطانيا.

ويقول مستخدمون لفيسبوك وخبراء في التكنولوجيا أن هذا التحدي يهدف إلى التعرف على بيانات المستخدمين لاستخدامها في “أغراض تجارية”، وذهب البعض إلى اتهام فيسبوك باستخدامها في “أغراض خبيثة”.

وقد أوضحت أونيل بعد التعليقات الرافضة التي جاءت أسفل تغريدتها، والتي كانت تتمحور حول أن الصور متاحة بالأصل، أن لديها ثلاثة تصورات لاستخدام مثل هذه البيانات.

التصور الأول والمفيد: هو المساعدة في بعض الحالات الإنسانية كالعثور على الأطفال المفقودين حتى بعد مرور أكثر من عام، وقد  أفادت شرطة نيودلهي بالهند أنها عثرت على ما يقارب 3 آلاف طفل مفقود في غضون 4 أيام باستخدام تكنولوجيا تمييز الوجوه. لو ظل الأطفال مفقودين لفترة طويلة من الزمن، فإنه من المرجّح أن تختلف هيئتهم قليلًا عن آخر صورة معروفة لهم. إذًا، خوارزمية فعالة تميز أثر التقدم في السنّ قد تكون مفيدة جدًّا في هذه الحالة. 

التصور الثاني والمتوسط: أنها قد تفيد في مجال الإعلانات، حيث تستطيع كل شركة التعرف على الجمهور المستهدف لها، ورغم أن السن قد يكون أهم من ملامح الوجه في مجال الإعلان، إلا أن تداخل السن مع ملامح أوجه الناس وسلوكياتهم في الشراء، قد يأتي بنتائج أفضل بكثير.

وبرغم هذه المميزات والتي قد تساعد الناس بشكل أو بآخر، إلا أن لهذه التقنية العديد من المخاطر والسلبيات، وهو التصور الثالث والضار من وجهة نظر أونيل، وهو أنه من الممكن لشركات التأمين استخدام هذه التقنية في تقديم خدمات التأمين والرعاية الصحية، فمثلًا لو ظهر لديهم تقدم عمرك أسرع قد يرفضون طلب تغطية التأمين عليك.

عندما طرحت أمازون خدمات تمييز وجوه حية في نهاية عام  2016، بدأت ببيع تلك الخدمات للشرطة والهيئات الحكومية، مثل شرطة أورلاندو وواشنطن كاونتي في أوريغون في الولايات المتحدة. إلا أن هذه التكنولوجيا تستدعي مخاوف كبيرة في مجال الخصوصية؛ فالشرطة تستطيع من خلال هذه التكنولوجيا تتبع الأشخاص المشكوك بارتكابهم أفعالًا إجرامية، بالإضافة أيضًا للأشخاص غير المجرمين؛ أمثال المتظاهرين وغيرهم الذين تحسبهم الشرطة مصدر إزعاج.

وقد طلب اتحاد الحريات المدنية الأمريكي من أمازون التوقف عن بيع هذه الخدمة، واستجاب لذلك جزء من الموظفين والمساهمين في شركة أمازون، الذين طلبوا من الشركة قطع الخدمة، مشيرين إلى مآخذ تتعلق بسمعة الشركة وتقييمها.

إذًا، هل هذا التحدي قصة كبيرة؟ هل ستحدث أمور خطيرة لأنك نشرت بعض صور البروفايل المتاحة أصلًا للعامة؟ هل من الخطر تدريب خوارزميَّات تمييز الوجوه؟ ليس بالضبط.

وبعيدًا عن أصل هذا التحدي أو النية من وراءه، علينا جميعًا أن نصير أذكى في تعاملنا مع البيانات التي نخلقها وننشرها، وسماحنا بوصول الآخرين إليها، والصعوبات التي تصاحب استخدامها. لو كان السياق عبارة عن لعبة تقول بصراحة أنها تجمع أزواجًا من الصور التي على شاكلة (سابقًا/الآن) من أجل بحوث أثر التقدم في السن، فإنك تستطيع أن تختار المشاركة في الترند، مع إدراكك للجهات التي تملك القدرة على الوصول للصور، وطبيعة الهدف وراء ذلك.

من الصعب أن نبالغ في تقدير قدرة التكنولوجيا على التأثير على الإنسانية. الفرصة متاحة أمامنا لنجعلها أفضل، لكن علينا أن نعي بعض الوسائل التي قد تسوء التكنولوجيا من خلالها، فالبشر هم أغنى مصدر للبيانات بالنسبة لكل التكنولوجيّات الصاعدة في العالم. فعلينا أن نعرف ذلك، وأن نأخذ الحيطة الكافية لتأمين أنفسنا، ونتحلي بالذكاء.

المصادر:

https://www.wired.com/story/facebook-10-year-meme-challenge

. the independant

. https://www.independent.co.uk/life-style/gadgets-and-tech/news/india-police-missing-children-facial-recognition-tech-trace-find-reunite-a8320406.html

آية أحمد
آية أحمد
طالبة بكلية الطب بجامعة طنطا.