علوم

المرض النفسي شرٌ أم توَهم!



هل سبق لك ورأيت إنسانًا  يحمل وحشًا على كتفيه!

هذا الوحش يعيش معه ويقتات به ويأكل من روحه يومًا بعد يوم إلى أن يأتِ يوم ويموت فيه هذا الشخص دون أن ترى هذا الوحش!
هذا الوحش الأسود دون مبالغة هوالأمراض النفسية.



يُعرَف المرض النفسي على أنه حدوث خلل في الوظائف المتعلقة بشخصية الإنسان، ويحدث هذا الخلل نتيجةً لحدوث انحراف عن السواء، وفي هذه الحالة  يُصاب الإنسان بالضيق وعدم قدرته على القيام بأي عمل يتعلق به، وتؤدي إلى الشعور الداخلي لدى الشخص بأنه يكره نفسه ولا يتقبلها… يضحك في وجهك أحيانًا وبداخله بحر من ظلمات الحزن واليأس العظيم من الحياة.

والمرض النفسي لا يتعلق بالنمو العقلي والثقافي للإنسان، بل ينتج بشكلٍ أساسي من أحداث يمر بها الإنسان في حياته، وفي الكثير من الأحيان تكون أحداثًا مؤلمة وصعبة ومعقدة، ممَّا يجعله غير قادر على القيام بحل أي مشكلة تواجهه في حياته، وبالتالي تفاقم هذه المشاكل ودخوله في حالة من الاكتئاب والتوتر واليأس من الحياة، وكثير من الأشخاص يلجأون إلى الانتحار والموت عند تفاقم المرض النفسي لديهم.


هناك العديد من الأسباب التي تؤدي إلى إصابة الإنسان بالمرض النفسي وهي:


 ١- أسباب وراثية “فسيولوجية”:

حيث أن لها دورًا كبيرًا في إصابة الإنسان بالمرض النفسي؛  وذلك لأن بعض الأشخاص يتمتعون بحساسية مفرطة مقارنةً مع غيرهم، وهذه الحساسية تتواجد عندهم بالفطرة، وتأخذ بالتطور والنمو مع مرور الوقت وتراكُم الأحداث وتفاقُمها، ويتأثر الجهاز العصبي لدى هؤلاء الأشخاص بشكل أكبر من غيرهم ممَّا يؤدي إلى حدوث أمراض نفسية لدى هؤلاء الأشخاص.


٢- أسباب نفسية بيئية:

 للتربية داخل الأسرة دورٌ كبير في التأثير على نفسية الشخص وإصابته بالمرض النفسي، والذي ينتج من السيطرة والدكتاتورية المفروضة على الشخص، وطريقة العقاب والتأديب المفرطة والزائدة عن الحد الطبيعي، والمشاكل التي تحدث ما بين الزوج والزوجة والتي تنتهي بالطلاق، فكل هذه الأمور لها دور كبير في حدوث المرض النفسي للشخص.


 ٣- الصدمات الانفعالية: 

إن تعرض الشخص في مراحل حياته الأولى إلى العديد من الصدمات يكون لها تأثير قوي على نفسيته وانعكاسها في المراحل المتقدمة في حياته، كمرحلة المراهقة وعدم القدرة على نسيان هذه الصدمات، مما يؤدي إلى تكون العقد النفسية داخله، وبالتالي الإصابة بالمرض النفسي المدمر.


٤- الإحباط في الطفولة:

تعرُض الشخص في مرحلة الطفولة للإحباط، كالحرمان أو فقدان العاطفة وغيرها من الأمور التي تؤدي إلى حدوث أضرار نفسية في الشخص، ويجعل منه شخصًا ذا طبيعة حسّاسة للكثير من الأمور خاصةً في سن المراهقة، وبالتالي يكون أكثر عرضة للإصابة بالمرض النفسي.

٥- تعرُض الشخص للعديد من المواقف الصعبة:


و
التي تؤدي إلى إصابته بصدمة نفسية،  كحدوث خسارة مالية فادحة، أو فقدان إنسان عزيز عليه، أو خسارة منصب أو مركز اجتماعي، أو حدوث تغيرات مفاجئة وغير متوقعة في حياة الشخص، وتؤدي إلى دخوله  في حالة نفسية سيئة. 

“المريض النفسي يبقى هو من يعاني والمجتمع من حوله لا يرحم!”  
جملة قالها الطبيب إبراهيم بن حسن الخضير
– استشاري أول الطب النفسي-



حيث أكد على  أنَّ المرض النفسي أو الأمراض النفسية أصبحت الآن أمرًا واقعًا اعترفت به المجتمعات، ولا شك بأن هذا الاعتراف نسبي، يختلف من مجتمعٍ لآخر، وهذا الاختلاف نتاج طبيعي لاختلاف الثقافات والأعراف والتقاليد والديانات ومستوى التعليم في كل مجتمع.

 لقد كان المرض النفسي قبل عقود ليست بعيدة وصمة عار على المريض وعائلته، بل على المجتمع بأكمله، لذلك فقد كان مُخفَى، ولا يتحدث أحدٌ عنه، سواءً كان أهل المريض أو المسؤولون عن الخدمات الصحية.

ظل المرض النفسي مُبعدًا عن الطب العضوي، بل مُبعدًا عن كل الأمراض ُمجملةً وعن الطب، وكان يتولى علاج المرضى النفسيين أشخاصٌ  ليس لهم أي علاقة بالطب أو العلم بوجهٍ عام.

كان يتولى علاج المرضى النفسيين الكهنة والقساوسة ورجال الدين في الكنائس، وبعض المشعوذين في الدول الأوروبية، ومن يدرس تاريخ الطب النفسي سوف يُصدم من كيفية ممارسة علاج المرضى النفسيين في العالم أجمع على مر العصور!

 لقد تحدّث أشهر الأطباء الإغريق مثلأرسطو وأبو قراط، لكن كان حديثهم بشكلٍ مُبسَّط، ولكنهم ذكروا بعض الأمراض النفسية والعقلية ولكنهم أرجعوا أسبابها إلى أمور عضوية، حتى أن بعض الأمراض لا زالت تحتفظ بالاسم الذي أطلقه عليها أطباء الإغريق مثلالهستيريا، وهو اضطراب يكثُر عند النساء وتُصاب السيدة بما يُعرف حاليًا بالأعراض التحولية مثل الصرع الهستيري وبقية الأعراض التحولية الأخرى. وأطلق الأطباء الإغريق الهستيريا نسبةً إلى الرحم لأن اسم الرحم باللغة اليونانية هو “هيستر”، فأطلقوا على عدة أمراض خاصةً عند النساء اضطراب الهستيريا، حيث قالوا بأن الاضطرابات العقلية أو النفسية التي تُعاني منها المرأة هي نتيجة انفكاك الرحم من مكانه ودورانه داخل جسد المرأة مما يُسبب لها هذه الاضطرابات العقلية.



كل هذه المقدمة، لأننا حتى الآن لم نصل إلى المستوى المطلوب في تقبل المرض النفسي والمريض، ليس في الدول العربية أو دول العالم الثالث فقط، ولكن حتى في الدول المُتقدمة مثل الولايات المتحدة الأمريكية أو الدول الأوروبية. فعلى الرغم من كل الحملات التوعوية والبرامج المختلفة في وسائل الإعلام المتعددة، فإنه لا يزال هناك تحرج من الذهاب إلى الأطباء النفسيين أو العيادات النفسية.

لقد أثار اندهاشي  العدد الكبير من المرضى النفسيين الذين يرفضون الذهاب إلى العيادات النفسية أو مقابلة الطبيب النفسي. عندما يذهب مريض إلى طبيب في أي تخصص ولا يجد أي مرضٍ عضوي، ويرى أعراضَ مرضٍ نفسي أو عقلي فيقوم الطبيب المُعالج بتحويل المريض إلى العيادة النفسية فإن نسبةً عالية من المرضى يرفضون فكرة الذهاب إلى العيادة النفسية إطلاقًا، ويعتقدون بأن الطبيب أخطأ التشخيص وعليه أن يذهب إلى طبيبٍ آخر، وتبدأ دوّامة مراجعة الأطباء في تخصصات مختلفة.



والسؤال.. لماذا لا يذهب هؤلاء المرضى إلى العيادات النفسية؟

إن وسائل الإعلام تلعب دورًا رئيسيًّا ومُهمًّا جدًا في التعريف بالأمراض النفسية والعقلية، فقد تم تشويه صورة المريض النفسي، وأساءوا إلى المرض النفسي، وزاد الأمر سوءًا إظهار المشعوذين الذين يُعالجون المرضى النفسيين بطرق بدائية، فيظهر على شاشات التليفزيون أشخاص بملابس غريبة يسكنون الصناديق أو شققًا  كئيبة مما جعل البعض يربط بين المرض النفسي وهذه المناظر المُقززة.


المشكلة الأخرى وهي أن الناس يصفون الشخص الشرير بأنه مريض نفسي، وهذا مُنافٍ  للواقع، حيث أن المرضى النفسيين -عدا نسبةٍ قليلة- مسالمون وضعفاء ومُستَّغَلون من بعض أفراد المجتمع. والدراسات التي أُجريت على المرضى النفسيين لم تثبت بأنهم أكثر ارتكابًا للجرائم مقارنةً بعامة الناس. لذلك فإنه عندما يقول شخص أو يكتب واصفًا بأنه شخص شرير يُقال عنه بأنه “مريض نفسي” وهذا فيه ظلم للمريض النفسي، لذلك يتردد كثيرٌ من المرضى النفسيين في الذهاب إلى العيادات النفسية.

كذلك يعتبر البعض بأن المرض النفسي شرًّا يتلبسّ الشخص، وهذه أيضًا من الأمور التي تمنع المريض النفسي من أن يذهب إلى العيادة النفسية حيث يعتقد أن ما يُعاني منه هو شر ولعنة وليس مرضًا يحتاج إلى مراجعة عيادة النفسية. المشكلة أن هذا الأمر يُعزَّز بوسائل الإعلام فيُصبح الأمر أكثر خطورة. وفي ضوء الانتشار السرطاني للقنوات الفضائية أصبح كل شخص يتحدث في الطب النفسي والأمراض النفسية مما جعل بعض الجهلة وأنصاف المتعلمين يشوشون فكر عامة الناس. 

فالمرض النفسي ليس شرًّا، بمعنى الشر الذي يعرفه الناس، وأن  فكرة الناس عن المرض النفسي كشيء شرير، وليس مثل بقية الأمراض العضوية الأخرى، والتي تحظى برعاية المسئولين في وزارات الصحة، جعل الجهات المسئولة عن الرعاية الصحية يولون عنايةً أقل للمرض النفسي وللمرضى النفسيين، لذلك تجد أن المستشفيات المُخصصة للصحة النفسية كئيبة في معظم دول العالم، 
هذه الفكرة أيضًا تجعل عامة الناس يعتقدون بأن المرض النفسي شر، وفقًا لما يُنشر ويُشاهد ويُسمع من وسائل الإعلام المختلفة. 

هذه الفكرة أيضًا جعلت التبرعات ضئيلة للجمعيات التي تعني بالأمراض النفسية، ففي دراسة أجراها طبيب نفسي أيرلندي عن التبرعات للجمعيات الخيرية، حظيت الجمعيات التي تهتم بأمراض القلب بعدها الجمعيات التي تعني بمرض الإيدز، بينما كانت الجمعيات الخيرية التي تهتم بالأمراض النفسية هي في ذيل القائمة، حيث كانت في آخر قائمة الجمعيات التي تصلها  تبرعات  من المواطنين، على الرغم من أن الأمراض النفسية بجميع أنواعها تُصيب ما بين 20 إلى 30% من عامة الناس.
فحتى عام  1906م لم تكن إفريقيا تعلم عن المستشفيات النفسية.

حيث ظهرت لأول مرة في لاجوس وأبيكوتا في نيجيريا، ولكنها مع بالغ الأسى  كانت بمثابة السجون لإبعادهم عن وجوههم بالتعذيب والضرب والتقييد، دون التفرقة بين مرضهم النفسي والمرض العقلي الذي هو مفهوم آخر لا يمُت للمرض النفسي بصلة.



وحديثًا شكلت منظمة الصحة العالمية مع برامج أخرى من الأمم المتحدة جمعيات لمحاربة وصمة المرض النفسي ولكن أمام الإعلام الطاغي في تشويه المرض النفسي، بل أيضًا تشويه الأطباء النفسيين وإظهارهم في الأفلام والمسلسلات كأشخاصٍ مُختلين عقليًّا يسلكون بطريقة غريبة.

إن للإعلام دورًا مهمًّا جدًا في تشويه صورة المرض النفسي والمريض النفسي والطبيب النفسي، ونحن بحاجة ماسة لتوعية عامة الناس بأن المرض النفسي مثله مثل أي مرض عضوي آخر له أعراضه وله علاج، وكثير من الأدوية النفسية تُساعد المريض على التحسُّن والحياة بصورةٍ أفضل، وهذه الأدوية في مُجملها ليست أدوية مُخدِّرة وليست من الأدوية التي يُدمَن عليها، هناك أدوية تُسبب الإدمان لكنها لا تتجاوز 1% من الأدوية النفسية التي تُستخدم لعلاج الاضطرابات النفسية المختلفة.

فوسائل الإعلام المختلفة يجب أن تُلقي الضوء على الأمراض النفسية بصورةٍ علمية باحثة عن الحقيقة وليس لإثارة وتشويش العامة وخلق رُهاب عام لدى عامة الناس من الأطباء النفسيين والأدوية النفسية، وأن يختاروا من يتحدث بحيث يكون مُتمكنًا من علمه وليس ممن يُقحمون أنفسهم دون درايةٍ كاملة بالمرض النفسي.

الكلمات الدلالية
زينب مسعد
زينب مسعد
طالبة بكلية الطب البشري جامعة طنطا