أدب

البراءة تقتل حربًا

خَوفٌ

هَلعٌ

قَسْوَةٌ

ذُعَر

انتظار

مَوْتٌ

حَيَاةٌ

ثم اِنْتِظَارٌ آخر لَمْ يَنْتَهِ بَعْد..

     كلما كانت تخطو خطوةً، أشعر وكأن الأرض تهتز من الحرب التي تقام داخل ثنايا روحي، قلبي الذي   يتفتت حتى كاد يصبح كالتراب تحت أناملها، تلك الدموع التي تسيلُ من عينيها كَنَهْرٍ، والدماء التي تفيض من معصميْها كانا يجعلاني أتوسل الطبيعة أن تُنْقذها، كنت أنتظر معجزةً؛ ربما طائرٌ يهبط من السماء ليفك المقابض حول معصميها، أو ربما عاصفة شديدة تصيب هؤلاء “رجال الموت”، أو تبتلعهم الأرض ليذهبوا من حيث جاءوا. كنت أظن أن السماء تنظر إِلَى هذا الأمر فهي عالية وشاهدة على ما يحدث بهذه الأرض..



    كل ما على الأرض بُيُوتٌ مُهَدَّمَة مثلنا تمامًا، أَرْوَاحٌ مهدرة لم تكترث لها الأرض، أرى الدماء تغطي تراب هذه الأرض وكأنها تسمح لمن عاش عليها أن يُهلك، وتعلن تخلِّيها عنه كأنه لم يكن يومًا!

لم أرَ قط حزنها ولكنني كنت أشعر بسعادة السماء وكأنها تفوز بتلك الأرواح وبحالة من الشغف لمعرفتهم، فهناك العديد من الأشياء كي يفعلوها بعد؛ سيجلسون على طاولة كبيرة دون نقص لأي فرد من أفراد عائلتهم ويأكلون معًا الأكل الشهي وينتهي طعم التراب فى فمهم، ينامون نومًا عميقًا متى شاءوا دون ذُعر من القصف، يرون الورود الدمشقية وليس بنادق تنهي حياة من أحبوهم، يستمعون إِلَى أصواتٍ عذبة وليس رصاصات تقع كالصاعقة على أذن أحدهم فتبعث بروحه من الرهبة..



    تلك اللحظة التي توقفت الحياة خلالها وحفرت بداخلي مَشهدًا لم يتردد سواه أمام عيني، هذا الذي أبكاني وأماتني “عينا أمي” التي لم أستطع رؤية حدقتها من الدماء حولها، عيناها التي تتوسل ذاك “رجل الموت” أن يتركها لأجلي، لم تفكر إِلَى أين سيأخذها وماذا سيفعل بها وما ينتظرها، لم تكن تخشى الموت، فقط فقداني ما كانت تخشاه..



            عيناها تصرخ، وقدماها تتعرقل بالحجارة وتحاول فك هذه المقابض حول يديها وذاك قابضٌ بشدة لا يريد أن يفلتها..

تلك الرجفة بصرخاتها ومشيتها وعينيها كانت حربًا أخرى، لكن هذه الحرب لا يستطيع أحد خمدها..

أُسْرِع وراءها بحركاتٍ قوية، أوبخ ذاك الممسك بها كي يتركها، كنت أود اللحاقَ بها ولمس يديها، لم أخشَ هذه البندقية لديه، ولا الموت، فما أشعر به الآن هو الموت حقًّا…



    النهار ساطع، لكن كلما اِبْتَعَدَتْ خُطوة  أشعر بأن الظلام قد حَلّ بداخلي..

أمي التي أرى الحياة بعينيها وأتنفس فقط بوجودها، أمي التي أحيا بها..

 

“لا تذهبي، لن تأخذك الحرب مني، فنحن أقوى من الحرب، وأقوى من هؤلاء الجبناء الذين لا يستطيعون فعل شيء سوى القصف والهدم، إِذَا هدموا بيتنا، فلن يستطيعوا هدم قلوبنا، أَنْتِ الحياة، وأَنْتِ العالم، ولم أرَ بَطَلًا سواكِ، أعرف.. لن تستسلمي لهؤلاء؛ فَالجُبْنُ ليس طريقنا وإِنما هو كل ما لديهم، سأنتظر عودتك يا أمي، سأنتظرك مهما طالت السنوات، أعلم أن الدقائق لن تمر بعد الآنَ، لكننى سأتحمل، سأتخذ اسمك في غيابك اِسْمًا لي، ليعيش اسمُك يا أمي، ليمدني بالقوة كي أعيش، سأظل أرى الحياة بعينيك، أعلم أننا سننتصر، نحن سننتصر يا أمي لا تحزني.”



    لساني ينطق بهذه الكلمات لكن يداي مكبلة، أخذوها رَدْعًا وَزَجَرًا إِلَى العربة، وقفت أنظر لا أريد المُضي حتى بعد ذهابهم لم أستطع أن أدر ظهري للطريق الذي ذهبت منه أمي، لكن سماعي لبكاء أخي ذي الرابعة من عمره وصراخ أختي الرضيعة على يديه، أجبرني للالتفات نحوهم، جعلني أستجمع قوة أمي، وأنزع وجه الهلع وأبدو بالهدوء المصطنع كي يطمئنوا، حينها حملت أختي وأمسكت بيد أخي وذهبنا…





  أضيعُ بين ما أشعر به  وما يجب أن أبدو عليه!

 

هل الحياة  قاسية إِلى هذا الحد! هل خُلِقْنَا نحن لنعيش الهزيمة فقط؟ بعد ذهاب أمي أصبحت أُمًّا لإِخْوَتُي، فمن أنا؟ هل الطفلة أم الأم؟! وهل ستغيب أمي كثيرًا؟ ومتى ستأتي وأين ننتظرها؟

مع كبر هذه الحياة  وامتداد الأراضي وكثرة الناس، بوجود ست قارات وخمس محيطات والعديد من البحار والأنهار والجبال والغابات، مع كثر الشجر والحيوانات والطيور والأسماك، لم يعد لنا مأوى فأمي غابت، وغابت معها الحياة..





    ثمة أملٌ يائس يدعى انتظار الغائب، لكن ماذا يعنى الانتظار هنا؟

هل تستطيع عقارب الساعة أن تنقذ ما بداخلي من التفتت، هل ستساعدني الدقائق وتفوت سريعًا أم ستُفقدني روحي شيئًا فشيئًا؟!

كنت أسير في هذا الطريق الطويل ولم أرَ له نهاية ولم أدرك هل نحن ضللناه أم هو من ضللنا! أشعر بالثِّقلِ ولا أعلم ما الأقوى هل الحرب أم الحب الذي زرعته أمي بداخلي ثم جعلت الأيام تسقيه، كانت تقول أن البقاء لنا ولكن أين نحن؟!







كنت أتساءل لم الحرب!

لم هذه النار التي تأكل كل ما يقابلها وتنهش فى صدورنا، لماذا لم تتخلَّ هي أيضًا عنا كما تخلَّى الجميع.. عندما قبلت على هذه الحياة لم أعرف شيئًا سواها، حتى نمت بداخلي حرب أخرى وصرت أعيش في حروب لا حصر لها، كلما خمدت واحدة ظهرت الأخرى..

اشتقنا…

اشتقنا للسلام هذا الشوق الذي لا يضاهيه شوق.. ضجت قلوبنا بالحنين للحياة.. صبَت أنفسنا لاستنشاق هواء بلا رصاصات، لَجَّبنا الشوق نحو أحبابنا الذين اصطفتهم الحرب من بيننا..

لا أعلم متى ستنتهي الحرب ونحيا حياة كالحياة، لكن كل ما أعلمه أننا سنقف حتى النهاية، ولو كانت النهاية أرواحنا!

فاطمة محمد
فاطمة محمد
طالبة بلأدب الإِنجليزى.