أدب

إذا كان حب المطر ذنب فأنا مذنبة

           قصتي ليست بالشئ المميز أو الغريب ولا هي أيضا بالشئ المألوف والمعتاد …
            قصتي تبدأ منذ قالت لي جدتي يوما أن المطر هو تكويننا بالاشتراك مع التراب لتكوين الطين الذي نحن منه يا طفلتي ، لكننا لا يمكننا أن نعشق التراب فعشقنا المطر..
             ظللت أعيش حياتي للمطر .. للمطر وحسب يا صديقي  ، حتي عندما نكون في أي فصل غير الشتاء أخرج الي شرفة منزلنا لأجد الوعاء المنقب الذي تسقي أمي به ورداتي كل صباح  ، وأصعد علي مقعد وضع خصيصا لجدتي لتجلس عليه في الشرفة كل صباح وتقرأ وردها اليومي من كتاب الله ،  فأميل بهذا الوعاء من أقصي أرتفاع تصل له يدي اليمني وأسكب كل ما فيه من الماء علي الارض، وانا أكاد أطير من فرت السعادة لأنني أري المطر في فصل غير فصل الشتاء.
            كبرت وظل يكبر معي حبي لفصل الشتاء وللمطر ولجدتي  التي نمت في قلبي حب الطبيعه والجمال وتمنيت حقا أن أري الثلج المتساقط في الهواء يوما .
         إلي أن دخلت أواصر الاحزان علي قلبي ولم تخرج أبدا، توفت صديقتي الوحيده ومصدر بهجتي، نعم يا صديقي لقد توفت “جدتي” ولكنني لم أراها فقد خرجت من المدرسة لأجد الدنيا من حولي قد تغرقت بالماء،  ماء كثيف ولكنه حزين،  لم أعتد علي هذا من المطر فقد كان دائما يدخل السرور إلي قلبي لكنه كان مختلفا هذه المرة مختلفا كثيرا، بدا وكأن السماء تبكي ..تبكي بحرقه وكأنها تتعذب ولكنني وجدت ما لم أره من قبل في حياتي ولم يتكرر مره أخري..
           رأيت قوس قزح يرتسم وكان جميل حقا كطفل صغير يلعب ويخطو أول خطواته علي الارض ،كان هذا قوس قزح بالتأكيد فطالما حدثتني عنه جدتي مرات ومرات ، ولكن المنظر فاق الخيال فقد كان بديع الجمال.. لكنه أصبح يتلاشي ، لا لم يكن يتلاشي لقد تحول إلي اسم جدتي ” بهجة ” ولكنه الآن قد تلاشي بالفعل.
            ذهبت الي المنزل وأنا أكاد احلق في عنان الجمال مما رأيته منذ قليل ، لكنني وجدت ما لم أضعه في حسباني أبدا، لقد وجدت البيت كله قد غُم فقد كانت جدتي مصدر سعادتهم جميعا وليست مصدر سعادتي وحدي .
          وقد تنبهر يا صديقي إذا علمت أنني لم أبكي ، نعم يا صديقي لم تنزل لي دمعة، رغم أن قلبي قسماً كان يحترق شوقا ولوعةً من الداخل  لكنني حقا لم أظهر ذلك ابدا،  تظاهرت بالجفاء في النهار لأظل أحترق من الداخل كل ليله علي سرير جدتي الذي أنتقل إليه عندما يذهب الجميع لأحلامه ويغطون في ثبات عميق،  ولكنني لم ألحظ يوما  العينان اللتان تراقباني وكأنها تشعر بما أشعر به.
           ظهر أعلان في جامعتي عن أقامة رحلة أستكشافية الي أحد الدول الأوروبية ولكنها للأوائل فقط ، ومن توفيق الله أنني حصلت علي تقديرات متميزه كالمعتاد هذه السنه أيضا ليندرج أسمي علي القائمه  ، قلت لنفسي هيا يا نفسي فأمامنا الكثير لنقوم به وأمامنا الكثير من التحضيرات،  ولكن ما لم يكن في الحسبان هو أعتراض أمي الشديد ظللت ما يقارب نصف الأسبوع اقنعها أن تعدل عن رأيها الذي يحطم احلامي ، ولكنها لم تتوقف علي مجرد الرفض فقد قالت أنني أنانيه أفضل راحتي علي الجميع ،فأنا أترك كل من أحب لألهو وأعبث، لقد جرحني كلامها ولكنني لم أبكي،  ظلت تبكي وتصرخ وتوبخ وتلوم ولكنني لم أبكي، صفعتني كثيرا لكنني لم أبكي،  ولن أبكي، علي الأقل لن أبكي الآن.
         بعد أن أوشكت الرحله علي إغلاق باب الحجز،  حسم أبي الأمر في أنني سأذهب إلي هذه الرحلة الاستكشافية بالتأكيد،  لم تنطق أمي ولكنها أحتضنتني بقوة يوم السفر وكأنه اللقاء الأخير ولكنني لم أبالي.
          وعدت أبي أن ارسل له كل خطوة وكل تحركاتي وكل لحظاتي السعيدة وكان الجدير بالذكر أنني كل لحظاتي التي لا أكون فيها مع زميلاتي.. أكون مع الثلج الذي حلمت  منذ نعومة اظفاري أن أراه ولكنني لم أراه فقط فأنا ألمسه الان أيضاً ، كنت أرسل العديد من الصور والصور لعائلتي لكنني لم أجد أستلام منهم وهذا ما لم ألحظه إلا في يومي الأخير من الرحله،  فأتصلت بهم لكنني لم أتلقي جواب.
رجعت إلي منزلي في الثانيه بعد منتصف الليل لأجد البيت قد غيم عليه الحزن مره أخري وأبي يجلس بجانب المدفأه يحتضن بعض ملابس أمي، ففهمت ما حدث وذهبت لأحتضنه ومن ثَم ووضعت رأسي علي فخذه الايمن،  لأذهب في ثبات ليس بالعميق ولم أبكي.
         بعد أن عدت من هذه الرحلة بما يتجاوز الشهر بقليل عاد أبي من العمل مسرورا وقبلني وأخبرني ان أحد زملائي في الجامعه جاء لخطبتي وهو يقسم علي انه لن يرتضي بغيري زوجة فالجامعه كلها تتحالف بأخلاقي واخبرني والدي انه رأي فيه حسن دينه وخلقه فوافق ولكنه ينتظر موافقتي.
        فوافقت وتمت الخطبه وعقد القران في أقل من شهرين وكلما كنت اذكر أنني اشعر بالذنب تجاه من حولي واتذكر كلام أمي وكم أنا أنانيه ، وأقف له علي الشارده والوارده يأتي ويحتضنني بين اضلعه ويخبرني أنني زوجته الآن وأنه لن يتركني ابداً وبدا لي ان أبي اخبره بكل شئ عن طفولتي ومراهقتي وقصتي مع المطر لكنه أكتفي بالصمت.
          أتصل بي أبي ذات يوم صباحا وطلب مني أن أذهب إليه فهو يشعر بدنو الأجل،  ذهبت له وأرتميت في حضنه وبعد ما يقارب الساعه علي هذا الحال جاء صوته متقطعا ” كنت أراك ، كنت أجلس كل ليله في الظلام لأراك تتجهين ببطئ موجه الي غرفه جدتك حتي لا يعلم  أحد منا أنك تشعرين بالذنب،  كنت أراك وأنتي تسترقين النظر الي خارج الشرفه حيث المطر وتفضلي هذا الوضع علي ان تخرجي الي الشرفه لأنك تعلمين أن أمك تكره تعلقك بالمطر،  كنت أراك تكتبين كل ليله كم تتمني ان تلمسي الثلج المتساقط بيدك فوافقت علي ذهابك للرحله ولكنني لم احتمل أن تبتعدي عني ولا حتي أحتملت منع نفسي من رؤيه دموع فرحتك بملامستك الثلج،  نعم ذهبت معك الي الرحله دون علمك،  نعم رأيتك تبكين،  نعم كنت أشعر بلوعتك وألمك طوال عشرون عاما ” نظرت له بدهشه وقلت له.                               “لماذا؟ ، لماذا لم تخبرني؟  لماذا لم أراك بجانبي؟  ألم تكن تعلم كم كنت بحاجتك؟  ودخلت في هيستريا من البكاء لم أرأني فيها من قبل”..
          قال لي “لأنني أردتك قويه، متماسكه، لا تحركي الرياح، رغم انني كنت علي بعد أمتار منكِ شعرت بما لم تشعري به،  انا من شعرت أن أمك تحتضر وكنت بجانبها وهي تلتقط آخر انفاسها وأخبرتني أنها تحبك،  ولكنك لم تشعري لم تشعري يا عزيزتي أن أمك تحتضر ولم تأتي في الموعد ” .
          همتت لأتتكلم فأوقفني قائلا.. ” عندما أرادت جدتك جعلك تحبين المطر كان بهدف أن تجعل قلبك رقيق كرقة الطبيعه ولكن يا عزيزتي لم تجعلك الطبيعه غير انثي قاسيه لا تشعر ولا تعطي الحب ابدا،  أبكي يا عزيزتي فالبكاء ليس ضعفا،  والدور الآن علي عاتقي لأكمل لكي الدرس الذي بدأته لك جدتك في طفولتك يا عزيزتي،  صحيح أن المطر شئ رائع ويشيع السلام في النفوس ولكن لكل جميل حده الاخر ، فرغم أن المطر يشعرك بالسعاده الا أنه لا يشعرك بمن حولك ” نظرت للشرفه لأري وميض برق وأسمع رعدا يصم الاذان فجائني أخر كلمه قالها والدي …” ولم تشعري ايضاً بزوجك الذي يقف علي الباب ينظر لك بحب الآن…. “
ألتفت فوجدته يقف بإنتظاري ويمد يده فجريت عليه وأرتميت في حضنه وأنا أهمهم “حب المطر ذنب ” قالها بصوت خافت وهو يري أبي قد خرجت أخر أنفاسه وروحه في طريقها الي بارئها .. “وأنت تذنبين الآن أيضا”
آلاء رفعت
آلاء رفعت
طالبة بكلية الآداب قسم أعلام بجامعة طنطا.