صوت

مقاومة القاع فريضة

أحدُ مشاوير المساء قد لا يستغرق في الصباح سوى نصف الوقت.
ليس وفقًا لميكانيكا الكم أو النسبية الخاصة، بل وفقًا لأبسط عاداتِ البشر، ففي الصباح لن يعرقلك الزحام أو احتمال أن تصادف كل من تعرفهم في الطريق.
أحب السير في الصباح، أحب السير عمومًا لكن للصباح طعمٌ خاص، فمن ستلقاهم في الشارع هم إما مقبلون على عملٍ أو شراء؛ فخضراوات الصباح غالبًا طازجة، ونسائم الصباح غالبًا ما تبعث على الاسترخاء.

في هذا المشهد الناعس، لا يسعني سوى أن أشعر بالنقاء والأمان، فالجميع مجبرون على ترك أَسِرَّتهم ولا شاغل لهم سوى الوصول إلى وجهتهم، أو هكذا اعتَدتُ أن أعتقِد.. إلى أن رأيتُه يختلس نظراتٍ متفحصةٍ إلى سيدتين؛ رجلٌ يبدو في العقد الخامس من عمره، جعلني أقضي بقية الطريق في تربص لنظرات الجميع، ووجدت أن الجميع -بما في ذلك السيدات الناعسات- يتفحصون الجميع، الجميع يستبيح نقاء الجميع، وكأنهم ينشغلون عن همومهم بتَخَيُّل شؤون الآخرين.

نفس المشهد في إحدى القرى الصغيرة التي تتوزع بيوتها بعشوائية مكوِّنةً طرقاتٍ ضيقةً يزيد من ضيقها افتراش النساء لها؛ هاربين من ضيق المنازل واكتظاظها بكل ما يعبر عن هموم الحياة، يبالغن في تبادل الأحاديث، حتى يعدن إلى منازلهن متشبعاتٍ بنقصِ ما ينقُصُ الأخريات أيضًا، حانقاتٍ على زوجٍ مسكين لم يقصد بكلامه الإهانة، ولكنه حديث النساء وتفسيرات النساء ومبرراتهن.
تمر عليهن فتاة في عقدها الثاني، ستعرف أنت أنهن يعرفنها جيدًا؛ فهي توزع أزواجَ القبلات على بعضهن وثلاث قبلات على بعضهن الآخر، وما تلبَثُ أن تسيرَ مترين حتى يتهامس الجميع، فلا تعلم إن كان سلامهن الحار السابق نفاقًا أم شفقة.

تمر بعدها فتاة بنفس العمر، لا يعرفنَها، فيتكرر المشهد دون لقطة السلام التي يتم استبدالها بنظراتٍ متفحصة لملابس الفتاة ومشيتها وقسمات وجهها، ولا ذنب لها سوى أنها ليست من أهل القرية.

مجتمعٌ مغرِقٌ في البطالة والفقر والطبقية حتى تلاشى منه كل وازع، يجيد استعمال لسانه ويديه لكن ليس في تغيير المنكر، فقلوبنا لم تعد حتى تقوم بأضعف الإيمان، جميعنا ينكر شيئًا على الجميع، وجميعنا يحقر شيئًا في الجميع، لكن أحدنا لم يحب أحدنا حتى يأخذ بيديه، نرفض قطع يد السارق لكننا لا نرفض “الخناقات” التي تقيم شوارعنا كل ليلة، زاعمين أنه هكذا تؤخذ الحقوق، بأن يخطئ واحدٌ فيُنقَلُ على إثره عشرون للمشفى نصفهم كان يدافع عنه.
حتى مواقع التواصل تحولت من “اجتماعية” إلى “مساطب”؛ لدينا جميعًا ما نقوله، نتوارث الحق في الحكم على الآخرين بل وجلدهم بالحديث، ونتسابق على سرقة الكلمات من أفواه المشاهير لتصبح “trend” يصلح لوصف حياتنا جميعًا، فهل تنتظر حياتنا حيوات الآخرين دائمًا لتعبِّر عنها؟ وهل يجوز تسميتها بالحياة بعد ذلك؟
حارب البشر دومًا جاذبية الأرض حتى وصلوا إلى القمر، لكن يبدو أن للقاع جاذبية أخرى أشد قوة، فلا أسهل من أن تكون سلبيًّا سوى أن تبرر لنفسك تلك السلبية.
وربما قد يصح أن ننسب بعض مشاكلنا للسلطات، لكن يبقى أن السلطات لا تملك سوى “السلطة”، أما نحن فنملك المجتمع، نملك أخلاقنا وأفعالنا، فلا حكومة ستجبرك على التحرش بدلا من الزواج، أو الغش بدلا من التجارة.
ولإنجاز كل أمر طريقان، أحدهما هو الصحيح، والآخر هو فقط أسهل وأكثر راحة لكننا قد نستغني عنه ببعض المودة والتعاون، فالأديان لم تراعِ فقط حقوق الآخرين عليك بل راعت أيضًا حقوق نفسك الضعيفة على نفسك، فعندما ينهى الرسول الكريم عن مجرد “تناجي اثنين دون الثالث” فذلك ليس لأن الثالث أحمق، بل إن الثالث من البشر.
وهكذا في النهي عن الغيبة والجلوس في الطرقات، بل إن المار مأمور بالسلام على الجالس حتى يتحقق الأمان، والصغير مأمور بالسلام على الكبير حتى يتحقق الاحترام والرقي، وكلها أوامر فردية في صغير الأخلاق والمبادئ لكن إن دلت فإنما تدل على أنه لا عذر لك في إيذاء غيرك وإن معنويًّا فقط، فما أسهل أن تقول الخير أو تصمت!
لا عذر لك في الاستسلام للقاع، فاجمع شتات مبرراتك وأرسها في قاعِهِ وتَرَفَّع أنت، أحسن استغلال فراغك فيما يفيد حياتك قبل أن يشغلك هو بحياة الآخرين.

تسنيم سعيد
تسنيم سعيد
طالبة بهندسة الحاسبات والتحكم الآلي، مدونه مهتمه بالأدب وكتابة الخواطر.