أدب

حينما ينالُ منا حب أغسطس

حينما ينالُ منا حب أغسطس
(ملخصٌ لروايةٍ “حب في أغسطس – سلسلة فانتازي ما وراء الطبيعة عن الدكتور/أحمد خالد توفيق)

ثمةٌ أبطالٌ يمتازون بالذكاءِ الخارق، وثمةٌ أبطالٌ يمتازون بالقوة، وثمةٌ أبطالٌ يمتازون بالحظِ العاثر، وثمةٌ أبطالٌ يمتازون بأنهم لا يمتازون بشيء..
وبطلة تلك الرواية كُتب عليها أن تمتاز باللا شيء..

بطلة الرواية أو (عبير) كما سنرى تمتاز فقط بشيءٍ واحدٍ عن بشر عالمنا.. خيالها واسعٌ شاسعٌ، تجوبُ به أنحاء العالم، وتتحرك من مكانٍ لآخر حيثُ ستقابل (أليس) وتزور بخيالها بلاد العجائب، ترى (أينشتاين) وتجلس معه في مجلسٍ واحد
هنا ( فانتازيا) حيثُ القواعد الوحيدة للعب هي: “لا قواعد”
والحدود الوحيدة لرقعة الخيال هي: “لا حدود”

تختار (عبير) أن تعيش في قرية صغيرة تتبع اليابان…

إنه أغسطس..
واسمها (متشيكو زاكو)
رقيقةٌ كالزهرة، دقيقةٌ كالزهرة، أنيقةٌ كالزهرة..
لها غمازتان تظهران عندما تضحك،
ومُدرسة أطفال هي.

لا تدري لماذا هو بالذات.. ربما لأنه خجول؟
أو ربما لتلك الطريقة التي تسقط بها خصلات شعره الأسود على عينه حين ينهمك في عمل ما.. لا ربما لأنه يقدسها ويراها كائنًا ساميًّا جدًا.. لا شيء من عبراتها يجب أن يسيل!

أمس كانا يسيران إلى جانب المصرف حيث الحديقة حين شاهدت فراشة وصاحت لروعتها..
وحقيقٌ علي ألا أقول إلا الحق.. كان هذا فقط ما قالته قُبيل تشبثه بالسياج ليظفر بتلك الفراشة التي أعجبت محبوبته..
تسرح.. متى تقابلا؟ لا تذكر…
لكنها تؤمن بالفأل.. إن حروف أساميهما متقاربة وهذا يعني أنهما سينسجمان بلا أدنى شك..
فشكرًا لكل دقيقة سمحت بها عيناه في العمر البخيل… وشكرًا على ساعات التهور والتحدي واقتطاف المستحيل… وشكرًا على مواسم السهر الطويل… وشكرًا إليك يا نزار…

إنه أغسطس…
هناك أشياء يجب أن تٌعرف إما للصديقة أو للجدة، لذا فالجدة (فومورا) يجب أن تعرف.. فرغت (متشيكو) من عصر روحها أمام الجدة وتركت لها القرار
أخته الصغرى.. إنها مرآته دون قناع..
الحق أنها تحتاج أعوامًا حتى تفهم حكمة الجدة، ما شأن الفتى بإخوته الصغار؟

إنه أغسطس..
إنه قادمٌ من بعيد.. قلبها يخفق مع خطواته…
تسأله : “هل لك أختٌ صغرى؟”
“نعم، وأنتِ بالذات تعرفينها.. إنها هيروكو، الطالبة بالصف عندك”

اليوم هو الإثنين.. تصحو من النوم وتقول للعالم: أيها العالم أنا أحبك.
تهرع في الشارع مسرعة إلى المدرسة… الطقس حار مما ينذر بيومٍ صعب.. ربما يكون أصعب يوم منذ بداية أغسطس..

قالت للتلاميذ الجالسين:
“اليوم سأخبركم عن أجمل شيء في العالم.”
” ما هو يا متشيكو؟”
“خمنوا..”
قالتها وهي تنظر من النافذة.. هنا أبيضّ العالم كله ولم تعد تسمع حرفًا..
الآن تطير لافتة في الهواء الساخن..
لافتةٌ كُتب عليها (هيروشيما)
إنه أغسطس..
بالتحديد يوم الإثنين السادس من أغسطس عام 1945
الساعة الثامنة والربع صباحًا…

لم تكن (هيروشيما) قبل السادس من أغسطس مسرحًا للحرب المضطرمة واعتقد الناس أن مدينتهم محظوظة، البعض رأى تلك الطائرة تحلق على ارتفاع عالٍ تقذف شيئًا ثُم ترتفع لكنهم لم يعلقوا على ذلك أهمية ما..
لقد زالت كل الألوان عن الموجودات والعالم صار بقعة بيضاء!
كانت اللحظة التالية هي لحظة الحرارة حتى حسب اليابانيون أن إله الشمس جاء شخصيًّا إلى بلدتهم المتواضعة..
وعلى بعد خمسين كيلو مترًا نبحت الكلاب ولم يفهم الإنسان…
الآن بدأت مرحلة الأعاصير…

اندلعت النيران بلا رحمة.. حتى اتخذت صورة القطار الذي يشق طريقه
وراح الناس يصرخون ويركضون..
لقد بدأ العصر الذري..

مدرسة عبير كانت بعيدة عن هذا كله
لا لم تنج.. مازال على القنبلة أن تقضي على مائتي ألف ياباني في ذلك اليوم المشئوم..
لقد اندفعت النيران إلى داخل الصف وسمعت الأطفال يصرخون..
هل مستها النار؟ لا تعرف…
شعرت بحاجتها إلى ألف يد.. لم تكن لديها إلا يدان احتضنت بهما طفلين واندفعت نحو الباب..
وفي الخارج لم تصدق ما تراه..
الشارع الجميل تحول كله إلى نيران.. والسماء بلون حذائك، أو قلب عدوك
لا تعرف لأين تذهب؟ ماذا تفعل؟
هي تملك مزية واحدة لا يملكها هؤلاء.. إنها تعرف ما يحدث.. تعرف جيدًا قنبلة هيروشيما..

سمعت من يصيح بها:
“إلى النهر يا فتاة! إلى النهر! لا سبيل للنجاة إلا النهر..”

هذا أكبر من أن يستوعبه عقلها.. لكنها ستجد الوقت الكافي فيما بعد كي ترتاع.. كي تقدر المأساة حق قدرها.. كي تتحدث عن الوحشية التي لا توصف!

هي الآن تمشي في ذات الطريق الذي كانت تمشي فيه وهي ذاهبة للمدرسة.. من هنا كان (توشيو) يمشي..
رأت شيئا ملتصقا بالجدار.. أدركت أن هذا إنسانًا أذابه الانفجار ليحيله إلى جزءٍ من الجدار ذاته..
من فضلك لا تكن أنت.. أرجوك لا تكن أنت..
لكنك أنت!

كانت معالمه قد تلاشت لكنها ترى أنه كان يضع عوينات..
راحت تصرخ:
القتلة! القتلة!””

إنه أغسطس..
والآن صارت متشيكو الحسناء ذات الضفيرة بلا ضفيرة.. بلا أهل.. بلا حبيبٍ.. بلا بيت..
الأدهى أنها كانت تدرك معنى التلوث الاشعاعي وتعرف أن جسدها امتص كميات هائلة تكفي لتشغيل مفاعل..
الأمر الآن يشبه الكوابيس..
آلاف الرجال والنساء يهرعون إلى النهر وهم يصرخون..
والغريب أن الكل كان يصرخ ولا يتكلم.. لا أحد يتساءل عما حدث.. بدأت الأمطار تهطل ، لكنه ماء ذري إذا أردنا الدقة.

إنه أغسطس..
والقارب يشق طريقه تحت سماء مكفهرة..
وأسوأ ما في الامر أنها تعرف أن كل ما حولها واقع مرير
إن الحياة نفسها أكثر جرأةً من الخيال…
في الطبيعة؛ يمكن أن تلقي أمريكا قنبلةً ذرية على مدينة سكنية لمجرد تجربتها، بينما لا يجسر أديب مجنونٌ على تخيل ذلك!

إنه أغسطس..
لكنه ليس اغسطس 1945
إنه بعد ذلك بأعوام..
إنه أغسطس..
ليس في (هيروشيما) هو الآن في ( نيويورك)..
الموسيقى تُعزف.. الكثير من الصحفيين.. قشدة المجتمع الامريكي وممثلاته الحسناوات.. ضحكات ومصافحات..

سيداتي وسادتي.. فلنرحب بالرئيس ( ترومان) الرئيس الثالث والثلاثين للولايات المتحدة…
دخلت بعدها بدقيقتين فتاتان مرتبكتان، نعم نقسم إنها (متشيكو) ولكنها لم تعد.

تسنيم شوقي
تسنيم شوقي
طالبة بالفرقة الثانية بطب أسنان طنطا، وأمين مساعد اللجنة باتحاد الكلية.

اترك تعليقا