أدب

قصة ذنب


حسنًا، لم تكن علاقتي بطفلي جيدة منذ البداية. أنا أكره الأطفال، على عكس الجميع لا أرى فيهم رمزًا للبراءة أو اللطف. بعد زواجي بشهر ذهبنا لزيارة أهل زوجي قرب الساحل، وعدني بأن يأخذني للملاهي أيضًا، كان الأمر مشوقًا جدًا بالنسبة لي فأنا –تخيل هذا- لم أذهب لأي ملاهٍ من قبل. قبل خروجنا مباشرة، أصبت بدوار وتقيأت طعامي، نظرات فرحة خبيثة قليلًا قالت أنني حامل، رفضوا المجازفة وابتاعوا لي اختبار حمل، للأسف كان إيجابيًا، انقلب مزاجي مع همهماتهم أني أحتاج للراحة، وأن في زيارة الملاهي وتجربة ألعابها خطورة عليّ و على “اللي في بطنك”. بكيت، احتججت على هذا الشيء بداخلي الذي لا يمكن وصفه بأنه كائن حي وهو يحدد لي الآن ما أفعل وما لا أفعل، لم يتوقع أحد ردة فعلي هذه، لكن زوجي تفهم وقال أنه سيأخذني في نزهة على الشاطئ. ذهبنا بالفعل.. اقربت أنا من البحر قليلاً لأبلل قدمي وطرف ثوبي بينما ابتعد زوجي لشراء المثلجات، أحضر لي نكهتي المفضلة كما أحب، قرطاس من البسكويت، على قمته مثلجات التوت البري اللذيذة مع رشة خفيفة من المكسرات.

أقول له “صورني بالفيديو”، أتعمق أكثر داخل البحر، أرفع صوتي لأقول “أيس كريم بالتوت، أهم إنجازات البشرية بعد اكتشاف النار والكهرباء” أقربه من أنفي لأتلذذ برائحته كعادتي، لكن فجأة “أوووووع” نعم، تقززت من رائحته، وتقيأت معدتي الخالية هذه المرة، لأهوى في البحر مع حلواي المفضلة، كنت مرهقة وشعرت بالإهانة، والبرد أيضًا لأن ثيابي ابتلت تمامًا. وصلت للبيت أبكي ونمت هكذا. امتنعت عن تناول الطعام لكن هذا لم يوقف الغثيان، كنت أدعو طول الوقت ألا يتم هذا الحمل الكارثي، لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، حينما أحضروا الطبيب تركني بقائمة من الممنوعات بها كل ما أحب، وقائمة كريهة تحتوي كل الخضار المسلوق في العالم، يجب ألا أخاطر بمزاج “سعادته” القابع بداخلي، نشأت بيننا علاقة عناد متبادلة. لم أكن ملتزمة طول الوقت أيضًا، أحيانًا كنت أستغل وجود زوجي بالعمل لأطلب بيتزا “جبن زائد” مع البطاطس المقلية والصودا كذلك، كان “الباشا” يعاقبني بليلة سوداء، وحكة تنتشر بجسدي لكن طعم الجبن الساخن ذائبًا في فمي، كان يعوضني ولو قليلاً، زوجي؟ كان يعلم بالطبع بجرائمي الصغيرة لكننا اتفقنا أن نتخيل عكس ذلك.

اليوم الكبير، كعادة الجميع حددت موعدًا للولادة القيصرية لكن استكمالًا لمسلسل الإزعاج، فوجئت بالطلق قبل موعدي بثلاثة أيام، كان الألم لا يحتمل، يقصم ظهري نصفين وصراخي يرج داخلي، قالت الطبيبة لا يمكن الانتظار ولو ساعة واحدة، الرحم مفتوح فعلًا، وقد سالت معظم مياهه، استمررت بالصراخ وحين اشتد الألم أكثر صمتت وسالت دموعي في استسلام. فجأة التمعت نقطة من النور، اشتد ضوؤها ولما خفت وجدتني راقدة على سرير وهم يأتون لي بشيء صغير ملفوف بعناية، حملته، تأملته قليلًا، ثم قلت: “لا بأس به”، تلقاه مني زوجي، لم أفهم سبب التماع عينيه هكذا، بدأت التعليقات المعتادة، هذه أنف أبيه، فم أمه، أذن جده، صرخت فيهم “هو مجرد قطعة لحم بائسة بلا ملامح، لا شيء مميز به، اخرسوا”، كانوا اعتادوا عصبيتي حاملًا، فلم يتعجبوا كثيرًا مما فعلت وربما ردوه لألم الولادة، وإن لم يبدُ عليهم هذا التفهم، أخرجهم زوجي، اقترب مني، سألني: “كيف حالك؟” قلت: “لا أدري.” فقال: “أفكر في تسميته حسن، ما رأيك؟”، قلت: “بل حُسن بضم الحاء”، قال: “هو ذاك إذن، سأذهب لتسجيل اسمه، لا تقلقي ستعتني به الممرضات.” ثم قبلني وخرج.

عصر جديد يبدأ.. قائمة الممنوعات تقلصت للنصف، شعور غريب تولد بداخلي حين أرضعته أول مرة، شعور بالذنب! هذا كائن ضعيف للغاية، لا يعرف من العالم سوى حشاي وصدري، حياته ومصدر رزقه، رحلة طويلة قطعها من الظلمة بداخلي حتى النور بالخارج، أنا من جلبت هذا الضعيف للحياة وعليّ تحمل مسئوليتي، العالم قاسٍ بما يكفي فلا يحتاج أمًا قاسية كذلك. الحب؟ لن أكذب وأقول أنني شعرت بهذا تجاهه، على الأقل ليس في الأشهر الأولى، كنت أرضعه بدافع من الذنب، أبدل حفاضه، أهدهده حتى يغفو، أنيمه على بطني، أحممه، ألاعبه، أتحمل صراخه، كل هذا بإحساس متنامٍ من الذنب، لكن في بعض الليالي كنت أضيق به حقًا. أتذكر مرة حين أيقظني بكاؤه للمرة الرابعة ولم أفهم ماذا يريد، أيقظت زوجي وصرخت به، خذ هذا الشيء للخارج وأسكته، ثم قلت لا، أنا التي ستخرج، سئمتُ هذه الحجرة ورائحة الدواء والحفاضات التي تفوح بها، ذهبت للحمام، استحممت، بدلت ثيابي المفعمة برائحة الصغير، ثم جلست خلف الباب أبكي، كان ذلك الصغير يدمر حياتي كما أعرفها وأنا فقط أسامحه، شعرت بقلة الحيلة، نمت ليلتها على الأريكة وأنكرت حتى الصباح أنني أسمعه يبكي.

احتاج الأمر ستة أشهر وبضع ساعات لأتخلص من شعوري بالذنب، ذهبت به للمستشفى ليتلقى تطعيمه، مرض في صورة مصغرة نحقنه به ليهاجمه الجسم ويكون المناعة اللازمة، كان الجسد الصغير أضعف، ارتفعت حرارته بشكل مخيف، هرعنا به للمستشفى يملؤني شعور بالذنب لا مثيل له، فحصه الطبيب وقال كلامًا كثيرًا معقدًا خلاصته أن الحالة حرجة، يحتاج دواء لخفض الحرارة وآخر لرفع المناعة، هو لا يستجيب للأول وحساس للآخر فازداد سوءًا، كان الأمر أشبه بأن تذهب للطبيب تشكو الزكام فتكتشف أنك تعاني انسدادًا في أحد شرايين القلب.

وقفت بجوار زوجي نتأمل الجسد الضئيل في الحضّانة، تتلوى الخراطيم داخلة وخارجة منه، عارٍ إلا من حفاضِهِ، يبدو بلا قوة كأكثر ما يكون، لم أرَ زوجي هكذا من قبل، يروح ويجيء، يجلس ويهب واقفًا فجأة، يبكي ويدعو ويتلعثم، حاولت التخفيف عنه، قلت: “أتعلم شيئًا؟ هو بخير، أعني لو فقدناه، يا ولد! سيذهب للجنة مباشرة، لا تكليف، لا سؤال، ولا أي شيء، لن يفعل شيئًا سوى اللهو حتى نلحق به، وربما لا نفعل، تعلم؟ أنا لم اختره، اخترتك أنت، أعرفك أنت، هو؟ لا ندري الإنسان الذي سيكبر ليتحول إليه، أنت أهم، يمكنني إنجاب طفل غيره، لكن من ينجبك لي؟” كان يستمع إليّ في ذهول وأنا أتحدث بهدوء شديد، ما أن انتهيت حتى صفعني، صرخ بي أيُّ أمٍ أنت؟ إن لم ينته هذا الأمر على خير، لأطلقنّك.

لا تدرون الفزع الذي أحدثه بي ذاك القسم، ظللت أبكي وأتوسل أن يحيا فقط لأبقى بجوار زوجي، فقط لأنه يحبه أكثر مما أفعل، انقضى الليل وتوقفت مقاومة الجسد الصغير. هناك، أمام برودة ملمسِهِ أنارت الحقيقة، أنا لم آت بهذا الطفل للحياة أبدًا، كنت مجرد سبب، الله أحياه رغم دعواتي الملحة ضد هذا، واليوم استرده رغم إصراري ألا يفعل، لا مبرر للذنب الذي أغرقت به نفسي ولا للحزن، لم تكن يومًا إرادتي ولا قراراتي؛ بل يد عليا تُنفذ وتَنفُذ. عدنا من المشفى، أتعلق بذراع زوجي ألتصق بيه وأتمتم “أم مذنبة يا سامر، أم مذنبة”، يتمتم هو الآخر: “على الأقل لم تعودي أمًا يا ورد”، يقولها وعلى شفتيه ابتسامة متألمة.

 

مريم السنيطي
مريم السنيطي
طالبة بكلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية، كاتبة ومدونة مهتمة بالفلسفة والأدب.