صوت

دوامة الوقت


تغَيّبت مدةً طويلة أعلم ذلك، قد يكون لاحظ البعض والبعضُ الآخر لا يعرفني من الأساس أو لم يُلاحظ، مدة حدث فيها الكثير وتغير فيها الأكثر، لا أعلم ما فائدة تلك المُقدمة أو بماذا ستُفيد، لكن كل ما أعلمه أن شعورًا غريبًا بدأ يُصيب بعضًا من جنبات روحي، قد لا يكون غريبًا بالمعنى الحرفي ولكن طريقة شعوري به وقوته تبدو مختلفة عن كل مرةٍ زارني فيها، ألا وهو الخوف.. قد يكون إحساسي به يلازمني كثيرًا ولكن تلك المرّة مُخيف أصابني كصواعق البرق عندما تضرب بُرجًا عاليًا، فتضرم به النّار، تُشبه تمامًا شرارات الماس الكهربيّ، أثارت ما بداخلي وزعزعت ثوابتي الواهية كما أظُن!

لا أعلم ما يحدث لي حقًّا ولِمَ هاجمني في تلك الفترة بالذات، كل ما أعرفه أنني جلست وحاولت أن أقرأ بعد انقطاعي مدة عن القراءة فَجَال بخاطري بعضُ الذّكريات عندما كنتُ طفلةً صغيرةً في الثّامنة من عمرها تحلم بتلك الأحلام البريئة التي تُناسب حداثة سنها، تحلم بأن تُصبح طبيبةً وترتدي ذلك المعطف الأبيض… (تيجي تشوف اللي أنا فيه دلوقتي )

وأخذت أسبح بتلك الذكريات حتّى وصلت للوقت الحالي، لتتسع عيناي فجأةً من هول صدمتي، فلقد شعرت لبرهة أن تلك الأحلام كانت بالأمس وأنه لم يمضِ اثنتا عشرةَ سنة من عمري، مضى اثنتا عشرة ربيعًا دون أن أشعر بشيء، مضوا كأنهم عابر سبيل زار مدينةً ليلًا فوجد قانطيها كلهم نِيام فقرر الرّحيل وهكذا لم يشعُر به أحد، أيمر الوقت هكذا كالسحر لا نشعر به وهو يتسرب من بين أيدينا ونحن كالمُغيّبين حقًّا!

حقًّا سأُجن من تلك السرعة التي يسير بها زماننا، فهو كالقطار باستطاعتك انتظاره لكنّه لن ينتظرك أبدًا!

ما الذي يحدث؟ هل تغير الزّمن؟ هل تبدلت الساعات فأصبحت أقل من قيمتها _ستون دقيقة_ هل أصبحت بالثّواني؟ أم نحن من تبدّلنا وتبدّلت معنا نفوسنا وفِكرنا ومُعتقداتنا؟ هل فقدنا القُدرة على العدّ والحساب، أم جُنِنّا بِحق، أم هو ابتلاء من الله حل فوق رؤوسنا؟ وإن كان الأخير هو أقرب للصواب فلنعلم أننا نقبع في قلب الخطر لأننا غافلون بحق وإن لم نَفِقْ ونتدارك تلك الفاجعة سنهلك، وأنا لا أبالغ!

 

أكاد أبكي خوفًا من مرور السّنون هكذا وأنا أقف لا أحرك ساكنًا، يعتصر قلبي قبضةٌ قوية من الخوف على حالنا، لم نصل بعد لأحلامنا التي رسمناها فنسعدْ ولم نُقدم لآخرتنا لنرتاح ونحفلْ، ما بالنا نقف مُتجمدين كالأصنام! لا تقولوا لي أننا ما زلنا صغارًا فأنا بالأمس كنت أظنني تلك الفتاة ذات الثّمانية سنوات، ولو انتظرت قليلاً سأجدني امرأةً قد تخطت حاجز الأربعين!

 

فهلا فكرنا سويًّا في حلول لمشكلة تهاجم أجيالٌ كاملة ولا تستثني أحدًا، هلّا تكاتفنا وقدمنا النّصيحة لبعضنا بعضًا، قد لا أملك حلولًا لتلك المشكلة ولكن بالتعاون بيننا سنجدها، هلّا تقرّبنا بقلوبنا من الله لنسأله الهداية لطريق نور بصيرتنا وعقولنا، هلّا سألناه من واسع رحمته لتشملنا جميعًا، بدأت ذلك الموضوع وأنا أعلم أنّي ليس لدي الحل الأمثل لتلك المُعضلة لكنّي أعلم أنني بمُساعدتكم سنصل حتى لأول الطّريق فلا أطمع لأكثر من هذا…

قد يرى البعض سخافةً في موضوعي وقد يراني أضعت له وقته، وقد يرى البعض أنى ضخمت الأمر وأنه لا يستحق، وقد يرى البعض أني لم أتناوله بصورة تليق به، لكني أقسم لكم أن الخوف هو ما دفعني دفعًا لأكتبه وأتشاركه معكم، خوف من أن أصبح جسدًا هامدًا بلا روح بدون أن أقدم شيئًا في دُنياي والأدهى ألا أكون قدمت لآخرتي…

فأدعو الله لي ولكم ألا يقبض أرواحنا إلا وهو راضٍ عنّا…