رأي

فوضى العصر

 

-لماذا كل هؤلاء الناس، هل نحن في الحشر؟

-حشر! ما بالك لا زلت هنا في الدنيا,  إنه مطار دولي؛ أمر طبيعي أن يعج بالناس.

-نعم مطار.. الطائرة نعم.. عليّ أن ألحق بأبي وأمي! أشتاق كثيرًا للوطن…

لكن ماذا عنك ألن تأتِ؟!

-سأبقى هنا, سأعتني بالصغيرة إلى أن تصل.

-إلى أين ستصل؟

-إلى  وطنها.

-سأفتقدها كثيرًا, أرسل لي صورها في كل يوم.

-نعم سأفعل.

تبسّم ثغره بجمال ومضى يتحدث في الهاتف, أي وطن قد يأوي طفلة بهذا الجمال! بل إن عيونها وحدها وطن…

وما كل هؤلاء الناس من أين يأتون بهذه الأعداد الغفيرة…

لماذا يبدو الجميع مهتمًا كثيرًا وكأنهم منساقون إلى وجهة مصيرية في حيا تهم.

أدرت عيني في الجانب المقابل, حسنًا إنه منظر يبدو للوهلة الأولى عاديًّا كمشهد مألوف, مساحة خضراء صغيرة من تحت قدمي وفي الأفق القريب أمامي مجموعة من البنايات السكنية التي تبدو بسيطة نوع ما.. نعم بسيطة وقديمة.

ومبنى واحد كبير.. كبير ومُلفت النظر إلى كِبر حجمه مقارنةً بالبنايات السكنية من حوله, غريب!

والسماء حقًّا تبدو جميلة, جميلة وحزينة.. كشقّين كلما صعدتُ بناظري شهِدتُ صفاءَها يلمع من الأعلى في الأفق, وكأنما قد كونها اللؤلؤ في بداعته, ولكن إذا ما دنا نظري  لما يقارب الأرض شهِدتُ تلك الظلال الكاتمة في طيات سحابها وكأنها تعاني مرضًا يسبب لها شحوبًا, شحوب لكنه جميل وكأنه مرسومٌ بالفرشاة على ورقة بيضاء..

ستكون رائعة لو أنني أرسمها.

أدرت وجهي له, لأخبره أن ينظر لمظهر السماء البديع, لكنه من بعيد لا يزال يتحدث في الهاتف باهتمام وشغف كأن الأمر خطبٌ خطير.. هو الآخر مأخوذ بخطبٍ ما.

وعاودت النظرَ من أمامي لكن هذه المرة لم تتوقف عيناي صوب السماء, بل لِقمَّة ذلك المبني الكبير. إنه حقًّا كبير وغريب, ومن على جدرانه في الخارج تتدلي حبال معلق فيها قطع الاخشاب, يقف عليها الرجال وأخرى يقف عليها نساء, يبدو أن أولائك الرجال من العاملين ربما يقومون بترميم المبنى ولكن ما بالهم يحملون المكانس, و ما بال النسوة تعلقن في الهواء على جدران المبنى كما الرجال!! في الثياب البسيطة, ما بالهم يحملون الطبول, وكأنهم ينتظرون شيئًا ما.

ولا أحد من كلا الفئتين يحرك ساكنًا.. لا شيء سوى نوافذ كثيرة ورجال ونساء يقفون على الأخشاب المعلقة على المبنى من الخارج..

على الرغم من بعد المبنى عني إلا أنني أراه بوضوح, أراه و كأنني قربَهُ بإنشَيْن فقط.

ومن الأعلى هناك حيث سطح المبنى تبدو السماء فوقه لا يظهر منها سوى الجزء الؤلؤي ناصع الجمال..

وما هذا هناك؟

لماذا يقف هذا الشاب هناك؟ ولماذا ينظر للأسفل بهذا الكم من التركيز وكأنه ينوي شيء ما!  

يبدو شكله مريبًا حقًّا  في تلك السترة المفتوحة من أمام صدره, لكن غطاء الرأس الملتصق بها يحجب وجهه تمامًا عن الرؤية, كيف أراه بهذا الوضوح, ترى فيم يفكر؟ ولم ينظر إلى الأسفل؟!

هاااا…  تصاعد نفَسي بالشهيق فجأة وأصبحت ضربات قلبي تتصارع الواحدة تلو الأخرى مع كل حركة يفعلها في تثبيت قدميه على حافة ذلك السور الذي يحيط حيز سطح  المبنى.. عجبًا, هل سيقفز!

لكنه لا يفعل! كيف أراه بذلك الوضوح كأني أرى في الداخل, هناك في داخل قلبه.. ولا زال قلبي على حالِه من الفزع, هل سيقفز؟!

هل فتى مثله مستعد لهذا الشيء؟!

هل هو حقًّا بهذا القدر من الحماقة ليفعل هذا؟

ولكن لماذا لا أصرخ, ليوقفه أحد, ولم لا يلحظ ذلك أحد من أولائك الجموع!

لماذا عقلي مشتت إلى هذا الحد بما سيحدث من دون أن أحاول منعه, لماذا لا استدير أناديه ليهب يفعل شيئًا يمنعه؟!  وكأن حنجرتي مُنع منها الصوت وعيني قد ثبَت جفنها وعقلي قد توقف أريد فقط أن أنظر إليه.

أعرف بطريق ما أنه لن يقفز, إلى أن رد عليّ مغطَّى الرأس مفتوح الصدر…

فقط تحركت يده اليسار قليلًا  بضع سنتيميترات عن جنبه, وألقى بعض الأوراق لتتناثر بتدلي مع الريح,  مارة بأولائك الرجال وتلك النسوة إلى مثواها حد أسفل ذلك المبني الغامض.

وهدأت ضربات قلبي مع رحلة تلك الأوراق لأسفل المبنى.

عندما عاودت النظر لأعلى فإذا بالغامض لم يأبه حتى بمنظر تساقط تلك الأوراق حيث كان قد نزل من على حافة السور ومضى في طريقه, غريبٌ شأنه أكثر من المبنى الذي اعتلاه.

لم أعرف حقًّا ما  كان مبتغاه هل كان اليأس أم الأمل!!

وما كاد يختفي إلا وقد حدث أن تحررت حنجرتي بغير إرادتي لأجله بالصراخ! لقد سقط أحد أولائك الرجال حاملي المكانس في زي العاملين, من فوق الأخشاب المعلقة على المبنى سقوطًا حرًّا مما يقارب الطابق العاشر إلى الأرض مباشرةً.

صرخت أناديه لعله ينقذ حيا ته.

-لقد سقط الرجل, أين أنت؟ أين ذهبت؟ لقد سقط الرجل من فوق المبنى لقد سقط الرجل!!

لكنه اختفى فجأة كان هنا قبل قليل يتحدث في الهاتف باهتمام، كيف يختفي هكذا فجأةً!

-ليفعل أحدكم شيئًا! لقد سقط الرجل من المبنى.

وفجأة بدأ الجميع بالصراخ  “لقد سقط الرجل… لقد سقط الرجل”، كل تلك الحشود مجهولة المصدر من حولي الجميع.. نساء ورجال وأطفال يصرخون في آنٍ واحد بجملة واحدة لكن الأصوات المتداخلة لا تُظهر سوى ضجيج عالٍ غير  مفهوم لا أحد يستطيع أن يفهم ما يقوله الآخر لكن الجميع في ذعر يحاول أن يقول أن الرجل سقط من أعلى المبنى.

وعاودت النظر للمبنى فإذا بأولائك النسوة في الثياب البسيطة حاملي الطبول قد بدأوا يقرعونها  بقوة, أسمع صوت تلك الطبول تطلق نفير التحذير أن خطبًا ما حدث.

وأولائل الرجال يلوحون بالمكانس بشدة يحاولون الإشارة أن خطبًا ما قد حدث, وتفتحت كل النوافذ يتدلى منها النساء الحسناوات والرجال ذوو رابطات العنق يلوحون بالأوراق لمن بالخارج أن خطبًا ما حصل.

 

لقد سقط الرجل, والجميع يصرخ أن الرجل قد سقط لكن لا أحد يحرك ساكنًا.. لا أحد يحاول أن ينقذ الرجل بالفعل الكل يستغيث, يستغيث فقط ولا أحد يحاول الإنقاذ!

ولكن إنْ كان الكل يستغيث فمن إذًا المُغيث في هذه الحال؟!

مهلًا لحظة حتى أنا!!

لم تتحرك قدمي إنشًا واحدًا صوبَ ذلك المبنى, حتى أنا استغثت.. أنا لا أتحرك من مكاني وكأن جاء أحدهم وثبتني فيه وقد قبِلت!

نعم لقد أخبرني ألا أبرح مكاني ربما الجميع أخبرهم أحدٌ ألا يبرحوا أماكنهم, لا بد أن الرجل قد مات حتمًا, ولكن الصراخ لا زال مستمرًا, لا زال الكل يصرخ في آنٍ واحد بنفس الجملة في غير هتافٍ منظم, مما يجعل تفاصيل الجملة غير واضحة.

إلى أن بدأَتْ مسامعي تلقط الصوت بنمطٍ مختلف ولغة ولهجة وصوت بل وطابع مختلف.

بدا الأمر كصراخ القردة, كل الأصوات تحولت فجأة إلى صراخ قردة وكأنه صراع ما أو معركةٍ ما, حيث تبدأ القرود كلها في الصراخ والتصفيق في آنٍ واحد فتزيد من حدة الحدث, فإن أذني لم تعد تلتقط شيئًا سوى ذلك الصراخ والتصفيق…

ولم يعد يسعني شيء سوى الصمت التام لا شيء آخر ليمر الوقت، ولا أحد يحرك ساكنًا سوى أن كل من يدرك أنه تعب من الصراخ يصمت, وكأنه ينطفئ

إلى أن يهدأ الجميع ويسكن الصوت… أو إلى أن يسقط أحد المعلَّقين مرةً أخرى ويشهد شخصٌ ما الأمر مرةً أخرى فيصرخ الصرخة الأولى ويتبعه الجميع من جديد, وهكذا إلى أن يحكم فينا الحي المغيث…

مي سلام
مي سلام
كاتبة وروائية مصرية صدر عنها رواية أتاتورك. - أحد أعضاء فريق التحرير بقُرْبَة. - طالبة بكلية التربية جامعة طنطا الفرقة الرابعة.

اترك تعليقا