رأي

في أروقة جامعتي

 

كنت على يقين تام أنه بعد انتهاء الدراسة في مرحلة التعليم الثانوي، فإنني سأودع كل ذلك العبث النفسي والبدني، وستستقر حياتي لحياة دراسية جديدة أكثر اتزانًا من تلك التي سبقتها.

كانت لدي أحلامٌ كثيرة، كالتطلع لتعلم أشياء جديدة للبحث.. للمعرفة.. للعلوم.

كنت أتحرق شوقًا لتلك الحرية التي ستسمح لي بالسهر مع رفاقي، وربما السفر لأماكن أخرى حتى ولو داخل البلاد، فأنا من أسرة متوسطة الدخل لا يمكنني قضاء الإجازة في المالديف أو باريس، لكني قنوع وأكتفي بشوارع المحروسة وأذوب في عشق بنت المعز.

لم أشارك في الثورة ولم أكن يومًا رجلًا يهتم للسياسة، ولا أظنني يومًا سأفعل، إذ أن هناك يقينًا في داخلي أن حب الوطن يظهر في العمل أكثر من الثورات، أنا شخص مسالم بطبيعة الحال، تطلعاتي كانت العلم والعمل ولا بأس بقليلٍ من العاطفة إذا وجدت من تكمل نواقصي.

وأتى اليوم والتحقت بإحدى كليات إحدى الجامعات الحكومية في مصر. شاكرٌ أنا حقًّا لمجانية التعليم الذاتي.. أتت بي إلى هذا المكان دون أن تتكبد أسرتي صرف آلاف الجنيهات.

أتيت إلى هنا كما يأتي الجميع حاصل تحصيل أرقام الدرجات في آخر امتحان أجريته وبعض الاختبارات الرمزية التي لم تكن لتمنعني من الالتحاق بكلية لا أعرف عنها شيئًا.

إذ لم تمكنني تلك الدرجات من الالتحاق بكلية القمة التي برمج أبي وأمي والمجتمع في رأسي أهمية التحاقي بها.

في يومي الأول بدأت أجول في الأروقة قارئًا اللافتات وأسماء المدرجات وكتابات الذكرى ووعود الغرام على الجدران والأعمدة، مارًّا بالسلالم وطبقات الأدوار حتى كلّت قدماي فتوقفت في إحدى الطرقات.. وقعت عيناي على صندوق خشبي قديم لا يبدو أن أحد أجرى له صيانة منذ زمن. وتتوسطه فتحة مستطيلة ولكنها مغلقة بخيوط العنكبوت، مكتوب أسفلها صندوق شكاوى. تملّكني فضولٌ غريب في معرفة ما قد يشكو منه أحد في هذا المكان.

فبدأت اتحسس الصندوق، عليّ أن أجد سبيلًا غير غطائه الموصد بالقفل المعدني الصدِئ. فعثرت على بعض المسامير المفكوكة في القطعة الخشبية التي تتمم الصندوق من الأسفل، فجذبتها بيَدِي، فسقطت ورقة وحيدة مطبقة بإحكام إلى جانب قدمي على الأرض.

كانت مغطاة بالأتربة التي ربما تسللت إليها من بين فتحات نسيج العنكبوت على فتحة الصندوق، وبالية إلى حد أنه يمكنني الجزم أنه مضى على وجودها في هذا الصندوق ليس أقل من عامين..  

نفضت الغبار عنها، ورحت أتحسسها قبل أن أفتحها كمن على وشك أن يعرف سرًا عظيمًا أو كأنني ممسك بوثيقة مهمة، فكرت أنني سأقرأها ثم أعيدها إلى مكانها على أكون قد أخطأت التقدير، لعل أحدًا يأتي لاستقبال الشكاوى من هذا الصندوق حقًّا.

ففتحتها، إذ وجدت عنوانًا صادمًا بالعامية جعلني أجلس في مكاني علي الأرض تحسبًا لصدمة ما يمكن أن تأتي بعده: (كان نفسي أتعلم)

 

*****

“أنا فلان الفلاني، وفلان مصري والفلاني مصري. بحب بلدي وكان كل أملي أتعلم.

انا بعدي على الصندوق ده من أول ما دخلت الكلية دي، مشوفتش حد بيحط فيه شكوى! مش علشان الكل مرتاح، لكن علشان الكل عارف أن محدش هيشوف الشكوى بتاعته.. أصلًا محدش بيفتح الصندوق.

 

النهار ده أنا هسيب الجامعة من قبل ما أكمل دراستي فيها، على الرغم إن فاضلي سنة وأخلص، النهار ده أنا جاي علشان أقدم شكوتي لعل في يوم والعمال بيجددوا الكلية أو بيهدموا جدارها  تقع الورقة من الصندوق ويشوفها إنسان وربما يقرأها.

ويعرف إن فلان حاول يتعلم.. حاول يبحث.. حاول يعرف.

 

لكنه فشل في إنه يحفظ أكتر ما يفهم، فشل في إنه يشتري الكتاب الجامعي بدل ما يدخل مكتبة الكلية يبحث في موضوع دراسته، فشل في إنه يفهم إن تسجيل اسمه في محاضرات العملي أهم من فهم المحاضرة أو حتى الحضور. فشل في إنه يشوف أبحاثه اللي سهر يكتبها طول الليل وكتب عليها فلان الفلاني بكل فخر مرمية في الزبالة! فشل في إنه يستوعب ازاي دكتور ممكن يمسك قلم جاف ويشخبط له في مشروع -كان بيخاف يتقّل فيه الرصاص أو الألوان- باسم النصيحة، فشل في إنه يرد على كل اللي قالوا هتتخرج مش هتلاقي شغل، فشل في إنه يصدق إنه لما يتخرج هيضطر إنه يكلف على مشاريع الماجستير والدكتوراة من ماله الخاص علشان الجنيهات اللي هتوفرها الجامعة وده لو وفرِّتها أصلًا مش هتغطي ربع التكاليف. فشل في إنه ينتظر المصير المجهول اللي مستنيه بعد ما ينهي دراسته.

فشل في إنه يفصل بين دراسته وبين الأوضاع الصعبة اللي بيعيشها في بلده، فشل أنه يكون مجرد إنسان ملوش رأي عايش مستني الحسنات من حقه المفروض.

فشل إنه يقف في الحرم الجامعي ويصرخ ويقول عاوز اتعلم!

 

ليعلم حامل تلك الورقة أن فلان الفلاني، وفلان مصري والفلاني مصري (قد فشل في إنه يتعلم بدون اقتناع بطريقة التعليم)

وكنت أتمنى حد يدور على أسباب فشلي.

الشكوى مش أني فشلت، الشكوى هي أسباب فشلي. فهل ممكن حد يدور عليها ويحاول يعالجها.”

*****

انتهت الورقة فعلمت أن ذاك العبث النفسي والبدني الذي ظننت أني سأتركه خلفي في المرحلة الثانوية سيرافقني ما دمت أنا فلان الفلاني، وفلان مصري والفلاني مصري.

مي سلام
مي سلام
كاتبة وروائية مصرية صدر عنها رواية أتاتورك. - أحد أعضاء فريق التحرير بقُرْبَة. - طالبة بكلية التربية جامعة طنطا الفرقة الرابعة.