تاريخ وسياسة

الحدود خطوط لا تراب .. نشأة الشرق الأوسط

إذا طَرحنا سؤالًا بَسيطاً يقول ( مَتى سمعت بمصطلح الشَّرق الأوسط لأول مرة ؟ )  فلن تَستطيع أن تُعطيني إجابة دَقيقة عَلى ما أعتقد !

رُبما تَكون المرَّة الأولَى فِي لَهجة حَادة لِمُذيعة فِي نَشرة أخبار، أو فِي كِتاب الدِّراسات الاجتماعية، ورُبما فِي حديث اتَّسم بِبعض النضج، ولم تَفهم منه الكثير.

لَا بأس ..فَهذا السُّؤال لَيس سِوى مُحاولة للتَّنبيه عَلى أن المُصطلح لا يُمثل لَنَا سِوى شَيء عادي لا يُثير التَّساؤلات، لَكننا سَنتوقف عِنده قليلاً .

 

يُطلق مُصطلح الشَّرق الأوسَط عَلى منطقة جُغرافية تَضُم دُول الوَطن العَربي مُضافاً إليها دولتين غَير عَربيتين هي ( إيران، تركيا، وَبالإضافة إلى الكَيان الصُّهيوني اسرائيل.

 

لَكن لِماذا تَم إطلاق هَذا الإسم بالتَّحديد عَلى هَذه المَنطِقة ؟!

بِقليلٍ مِن التَّفكير، أو رُبما مِن خِلال مُراجعة بَسِيطة لِبَعض الكُتب سَنُدرك أنَّنا لَن نكونَ  شَرقاُ أوسطاَ إلا إذا تَم تَحديد مَوقِعنا نِسبة إلىَ مَنطِقة أُخرَى باعتِبارِها مَركزاً، وَهذا مَاحَدث فِعلا .

 

أَول مَن استَخدم هَذا المُصطلح شَخص يُدعى ( ألفريد ثاير ماثان ) _مؤرخ بحري أمريكي _ فِي مَقالة كَتبها، ثُم بَدأ المُصطَلح فِي الانتشار ابتداءاً مِن عام 1902 .

 

وَالآن نَعود بالزَّمن لِلوراء لنلقي نَظرة على هذه المَنطقة التي نَتحدث عَنها، والتي أطلقوا عَليها الشَّرق الأوسَط .

نَبدأ مِن عَام 1800 مثلاً :

 

كَانت هُناك دَولة كَبيرة تَضُم كُل هَذه المساحة تُعرف بالدَّولة الُعثمانية، وَكان المُجَتَمع قائماً عَلى نِظام جَماعِي، وَليس فَردي،  بِمعنى أن كُل فَرد يَنتمي لشيء أكبَر يُصنَّف مِن خِلاله، وَيَعيش ويَكبر دَاخله .

تَشكَّلت بِنية الجَماعات عَلىَ أسَاس المِيلاد،  والعائلة، والقبيلة .. قَد تَختلف تِلك الجَماعات فِي الأفكَار، أو الثَّقافة، أو المَصالح نَظَراً لاتِساع رِقعة الدَّولة العُثمانية، وَوُجود الاختِلافات الِبيئية، وَالجُغرافية.. لَكن الرَّابطة الأَقوَى فِي هَذا المُجتمع كَكُل كَانت رَابِطة دِينية .

 

مثَّل المُسلِمون الأغلبية العُظمى فِي تِلك الفَترة، مَع وُجود أقلِّيات مِن اليَهود، وَالمَسيحيين الأرثوذوكس الذين انَتشَروا فِي أرجاء الدَّولة العُثمانية بِمعنَى أنَّهم لَم يُحقِّقوا تَمَركُزاً لَهم فِي أقَالِيم مُحدَّدة إلا فِي بَعض الاستثناءات .

 

خَضَعت الأقليَّات لِقوانينها الخَاصة، وَنظَّموا شؤونَهم وِفقاً لِما تَقّره الشَّريعة الإسلامية مِن أحقية لأهل الذِّمة فِي الاحتِكام إلى شَرائِعهم، مَع فَرض بَعض القَوانِين علَيهم مِن قِبَل الدَّولة العُثمانية كَالجزية، وغيرها .

 

بِحُلول القَرن ال19 بَدأت تَغيرات جَوهَرية تَحدث فِي الدَّولة العُثمانية، وَالتِّي زَادت مِن مَركزية الدَّولة، وَسُلطتها حيثُ بَدأت عَمليات العَصرنة فِي المُؤسسة العَسكرية  ثُم انَتَقلت إلىَ المُؤسسات التعليمية .

هَذه التَّغيرات كَان لها أَثرها فِي إنتاج طَبقة جَدِيدة مِن المُثقفين مُتَأثرين بِالثَّقافة الغَربية، يُطلق عَليهم المُثقفين العَلمَانيين.

وقَد كَان تَقويض سُلطة رِجال الدِّين فِي الدَّولة العُثمانية هو أحد أبرَز نَتائج عَمليات العَصرنة، وَبالتالي زِيادة سُلطة الوَالي العُثماني في الدولة . لَكن هَذا الَّتقويض كَان حادثاً فِي سُلطة الحُكم وَليَس فِي عُموم المُجتمع حَيث احتَفَظ رِجال الدِّين، وَالعُلماء بِهيبَتهم خُصوصا فِي مُجتَمع القرية.

حَتى تِلك اللحظَة لَم يَكُن هُناك وُجود لِدول الشَّرق الأَوسَط، كُل مَا نَعرِفه هُو كَيان وَاحد يُعرف بالدَّولة العُثمانية يَضُم تَحتَه إمارات، لَكنَّه يَتَعرَّض لِحَمَلات تَغرِيب مُكثَّفة يُشارِك فِيها الوُلاة.. بالإضَافة لِخَسارات فِي مَعارك عدة .

 

ما الذي أحدَث التَّقسِيم ؟!

 

نَرى الاجَابة باختِصار فِي قَول وِنستون تشرشل _رَئيس وُزراء المَملَكة المُتحدة إبان الحَرب العَالمِّية الثانية _ بَأنَّه أسَّس الأُردن بَعدَ ظَهيرة أحد الأيَام فِي القَاهرة.

فنَستَخلِص مِن هُنا تَصوُراً مَبدئيا عمَّا حَدَث.

 

سايكس بيكو ( تذكر هذا الاسم جيدا ).

 

بَعد هَزيمة الدَّولة العُثمانية فِي الحَرب العَالمية الأُولى، وَسُقوطها، وٌفِي الفَترة مَا بَين “مايو 1915 وحتى نوفمبر 1916” دَارت اتفَاَقات سِرّية بَين كُل مِن المملكة المتحدة ( بريطانيا )، وفرنسا عَلى اقتِسَام مَا يُعرف (بإرث الدَّولة العُثمانية ).

 

حَيثُ اتَّفَق مارك سايكس، وجورج بيكو عَلى رَسم خَط يَبدأ مِن عكا إلى كركوك، وَالذي نَعتَبره تَقريبا خَط قِطاع فِي المُنتًصف يمنح فَرَنسا مَا فوقه، وبريطانيا ما يَقع أسفَله، مَع بَقاء جُزء خَارج التَّقسيم وهِي فلسطين، التي مَنَحها آرثر بِلفور فِي 1917 لليهود لِإقامة وَطَن قَومي، وَكان هَذا الوَعد هُو نَواة لإقامة الكيان الصُهيوني بفَلسطين.

 

تمَّت السَّيطرة عَلى هَذه المَناطق مِن قِبل بِريطانيا، وَفرنسا مِن خِلال الاحتلال، أو الانتداب، أو فَرض النُّفوذ عَلى الحُكومات المُتَواطِئة، والضَّعيفة وقَد نَتج عَنه تَقسِيم الدَّولة العُثمانية إلىَ أجزَاء صَغيرة، والتي شَكلت خَرِيطة  دُول الشَّرق الأوسط كما أسموها.

 

لفهم التقسيم من خلال خريطة بشكل أوضح

الكلمات الدلالية
سارة محفوظ
سارة محفوظ
طالبة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية.. مهتمة بالعلوم الإنسانية.