رأي

لم أهجر رمضانَ وأمضي يا أبي بل ذهبت به إلى السماء



    رمضان غزة لم يأتِ لما يُعايشونه الآن ومنذ أيام ..

كم من مائدة فقدت أفرادًا كانوا عِمادها السنة الماضية، كم مكان فارغ الآن وكم قلب يتمزق؛ أب هذا أو أم ذاك، أخ هذه أوأخت تلك، من الصعب على الخيال أن يُدرك مدى قسوة الحقيقة، الأشد ألمًا أن نرى ولا نستطيع فعل شئ : عينان تبكيان، قلب ينزف، ويدان مكبلتان لم تستطع مس جروحهم وتطييبها ..



كلماتي  تعجز وتقف محشورة في حلقي، فكم كتبنا وكم نكتب وكم سنكتب ولا شئ يحدث فى النهاية نجلس هكذا مكتوفي الأيدي، باكيةً أرواحنا على أرضكم التى هى أرضنا ” أرض المحشر ” التى لم نفعل لها مثلما فعلتم وتفعلون الآن ..


عام يذهب وآخر يأتي وكل شيء فيك يزداد سوءاً يا وطني.

قالها درويش بقلم ينبعث منه الحسرات على بلده التى علمته الشعر والتى كان لها وطنًا بكلماته كما كانت له أرض العزة والكرامة التى شيدته وأقامت بداخله جسرًا لا يمر منه سواها، والتي من حب أبنائها لها تعلمنا حبها حتى صارت تسري بنا وأصبحنا نتغنى بها، نكتب لها، نعشق ترابها، نغارعليها، وتحترق أرواحنا كلما تدنست على يد مغتصبيها الذين نعموا بها تاركين ورائهم الكثير من الأسى والألم بداخلنا جميعًا ..

   تنادى عليهم الجنان ..

أرى كما لو كانت السماوات تسعد بلقائهم، تنتظرهم وتشتاقهم كلما غابوا، فتعد لهم كل ما هو جنة وربيع على قلوبهم التى لا زالت تنبض هناك ولم تمت قط، لا أجد أخف من أرواحهم وهى تصعد إِلى السماء وكأن ريح لطيفة تحملهم الى ما نعيش عمرًا نسعى من أجل رؤياه والخلود به؛ فيقول الشهيد لأبيه الذي مازال يبكي على جسده حتى أبيضت عيناه : يا أبتِ لو ترى ما أنا ذاهب إليه الآن  فوالله لم يعبث وجهك قط، أراني حييت من جديد، أشعر وكأن لم يكن لي ولادة على الأرض، فَميلادي هنا ورمضاني هنا وعيدي هنا .. يا أبت إِنّي مستبشر بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر..

يا أبت كنا نرى الله بقلوبنا ونشعر به يسرى بداخلنا ولكني الآن أنظر إليه وسأمضي خالدًا في كنفه ..

سلامٌ لأرضٍ خلقت للسلام وما رأت يومًا سلامًا ..

صبرًا فلسطين

سنستطيع إِليك سبيلا يومًا، سيعيشون أبنائك بلا هلع ولا ذعر، سنصلي بالقدس ونرفع اسم الله، سيهلك المحتلون المغتصبون أراضٍ لا يملكون منها شبرًا، لن ينالوا منك، أعلم أننا لا نملك سوى صوتًا يرتفع حينًا وينخفض حينًا حتى الصمت المروع والعجز الممزوج بثقل دموعنا التى تنغمس بداخلنا وتنهال كسيول لا سد لها، لكن كل ما بنا يهتف باسم القدس وباسم الأقصى، باسم فلسطين السلام ..

نعلم عدم حاجتك لنا، فهنيئًا لك بأبنائك الذين لا يضاهي حبك فى قلوبهم حب، نرى جيدًا صمودك رغم قوى الاحتلال ونعلم أنك الباقية، وأنها لن تنتهى إلا بالنصر والعزة لكل من ذهبت أرواحهم فداءً لك  ..

ليرتفع صوت أحدهم قائلا :

يا أهل العرب، يا عالم الأرض، رغم سفك دمائنا لم نمت، بل كل يوم نحيا حياة جديدة.

لا داعي لكم، نحن لدينا ما هو أقوى من السلاح وما هو أشد من دموعكم التي لا تجدي نفعًا، إِنه السلام الذى خلقنا به ومن أجله، ما يدعمنا هو حبنا لهذه الأرض فلم نجد أغلى من روحنا نقدمه لها؛ أجسادنا التى تتفتت على أرضها، دمائنا التى يشرب منها ترابها، عيوننا التى نرى بها النصر رغم بعده، قلبنا الذى يشن حروبًا لا تخمد أبدًا .. نحن لا نخشى القصف، فان القصف يحيينا .. القصف يحيينا ..

فاطمة محمد
فاطمة محمد
طالبة بلأدب الإِنجليزى.

التعليقات مغلقة