صوت

غربة | العش المهجور

ابُني محدش في بلده غريب.”

 

كلمة سَمعتها من جدي وَقت أنْ كان عمري لم يَتجاوز الخَمس سنوات  في خضم حَديثه عن هِجرتِه من القَرية وتوجهه للمدينة حيث فُرص العمل الوفيرة في وقت كان الفقر ينهش فيها عِظام الأحياء.

 

تَحدث جدي عن الصُعوبات التي واجهها في المدينة التي كان فيها غريبًا. غريبًا عن الشارع الذي يَسكن فيه وجيرانه الذين ينظرون له نظرة دونية  وصعوبة استئناسه بالضوضاء التي أنسته معنى السكون. وَقت أن كان يَسند رأسه على ظهر جميزته العَتيقة قُبيل المغرب فَتتوقف تروس الكواكبِ عن الدوران ويَلف الكَوْن هواءً باردًا يُداعب وجنات الزهور معلنًا رحيله اليوم جازمًا بعودته غدًا في دورة حياة لاتنتهي ..

 

وَقت أن كان يتحدث كنت أنظر لجدران البيت القديم استجلب منها الدفء استشعر سُكون الأرواح في شُقوقه التي خَتم عليها الزَمنُ وَعدها من التراث وسكنتها العصافير كحراس لهذه الأرواح. كنت أتذوق طعم الهواء الممزوج بأنفاس أجدادي وعائلتي واحبسه في داخلي كانوا وطني الأصغر كانوا عالمي المُنفصِل عن عالم الناس أينما ارتحلت أنفاسهم معي فلا معنى لِلغُرْبة في حَضرتهم.

أحداث تَوالت وَتصارعت ليالي عبرت ودُونَت في كتاب الصغير تُفيد بأنه عاشها وهو يُشكك في ذلك ..  فجوات زمنية في عمر الطفل لا يتذكر منها سِوى أنه كان يعد الثواني منتظرًا زوال الكابوس الذي انقض علي المستقبل كَفريسة وأخذه بين مخالبه وصعد به إلي الجبال لكي يُطعم أحفاد الظلام الذين سيكملون نهج أبيهم في وأد أنوار الحياةِ.

 

لم يتوقع الطفل يومًا أنْ يكون قابعًا علي مكتبه في بلاد ما وراء البحر على نُور المصباح الباهت بلون الحياة يُدوِن ويسطر عن تلك الفجوة التي حدثت في عمره، تلك الفجوة التي أفاق منها على وقع صوت مضيفة الطيران تنادي في الميكروفون “يرجى ربط الأحزمة .. وَاستعدوا للإقلاع.”

 

يهرع الفتي فيلتفت حوله كما لو كان هناك من يتربص به يَنظر في أعين الناس لايعرف منهم أحدًا .. دقات قلب الفتى في تسارع ينظر من نافذة الطائرة فإذا بها تتحرك. يتبادر إلى ذهن الفتى أن ينزع حزامه في محاولة بائسة للتمسك بالأمل في الرجوع ولكن هيهات.. ينظر الفتي الي ساعته إنها التاسعة إلا أربعين دقيقة ليلًا كان عقرب الثواني يشير إلى الخمسين وقت أن ارتفعت عجلات الطائرة عن الأرض معها كانت أول دمعة تسقط من عين الفتى الذي لتوه غادر الوطن.

 

ارتفعت صيحات الناس فرحين بصعود الطائرة وتعالت ضحكاتهم وانفرجت أسارير وجوههم وتنفسوا الصعداء. كان الفتي يظن أنه الوحيد البائس على سطح هذه الطائرة كان ينظر إلى الدمعة الوحيدة التي تساقطت ويسأل عن سبب سقوطها ولكن لم تسعفه الكلمات حينها .. كنا ليلًا ولا يذكر الفتى أن رأي هذا الكم من السواد في حياته كان ينظر الفتى من النافذة فلا يرى إلا السواد كان يقول أنا أعلم أن وطني تحت هذا السواد حتمًا سيأتي النور وإن غاب..

 

وقت أن بدأت ملامح القاهرة تغيب عن الأنظار لم يجد الفتى بُدًا في النافذة بعد الآن. استدار الفتي بوجهه وبدأ يتفحص وجوه الناس فإذا السكوت كالغِيام على وجوه الناس.

 

كانت التعاسة تفيض من وجوههم كفيضان. تساءل الفتى أين السعادة التي غشيت وجوههم من لحظات.. توقف الصيحات وتبدلت بالسكوت كانوا ينظرون مثلي من النافذة الي الظلام ساعتها أدركت أن للظلام معني.

 

كان كل شخص يرى الظلام بعين مُختلفة عن الآخر تعددت أسباب حزنهم ولكن الأعين كانت تتحدث بشعور واحد ألا وهو شعور الفقد..له هناك من أصبح يفتقد عائلته التي ودعته لتوها في المطار أو هناك من يفتقد أوقات سمر جمعته هو وأصدقائه، ولكن كل أشكال الفقد هذه هي جزء من شئ كبير يُسمَى الوطن .. كلهم افتقدوا الوطن.
كانت الصدمة الأولى .. كنت أظن أني الوحيد التعيس بينهم ولكن تبين لي أني أٌقلهم مصابًا.
ففي الوقت الذي كنت أعزي فيه نفسي بِغياب الوطن كان البقية يُصارعون من أجل إحياء الوطن داخلهم مرة أخري. كنت أظن أني الوحيد الذي انسكبت دمعته علي خده دون الناس ولكن تبين لي أن كل من في الطائرة قد انسكبت منه الدمعة مرات ومرات حتى جفت عيناه وبقي السكوت الذي يغشى وجوههم هو الدليل الوحيد على بكاء القلب داخلهم..

 

هذه الشجرة التي تدعي الوطن لم تقصد يوما أن تدفع طيورها لهجرها سوي خوفها عليهم من غربان الظلام التي استعمرت أغصانها ونهبوا خيرات عصافيرها، ولو أنها رزقت شيئا من الحيلة لاقتلعت حناجر الغِربان التي أرقت حياة عصافيرها ودفعتهم لهجرها.

 

مالت علي المرأة التي تجلس بجانبي قائلة لي  “هل هذه أول مرة تترك فيها عشك”

 

توقف الزمن للحظات وسكن كل الوجود أمام عيني حتى اخترق لساني هذا الصمت الكوني قائلًا الآن الآن أدركت أن كان لي عُشًا وقد هجرته ..
أحمد معدي
أحمد معدي
- كاتب ومدون مصري مقيم بتركيا. - طالب بجامعة الشرق الأوسط التقنية بتركيا - هندسة مواد وفلزات.

اترك تعليقا