صوت

طهر القلب

صغيرى ..
هل تسمح لي بالجلوس بجوارك؟ هل تسمحُ بأن أنفُض عنّي عناء اليوم وأتناساه؟ أتسمحُ بأن أنفُض غُبار الزّمن مِنْ على طفولة قلبي؟ أن أجعلها تطفو على سطح حياتي ولو للحظات أتقاسمها معك لعلك تمد فى روحها لوقتٍ اطول؟  أتسمح لي بمشاركتك جزء من براءتك؟ أتمنحني فرحة لقلبي بتأمل لمعة البراءة فى عينيك؟ لمحة السعادة المُتأصلة فيها؟ أتعطيني خفقاتٌ محببةٌ لقلبي برُؤية مَنبت البسمة على شفتيك لتنتقل عدواها تلقائيًا لِفاهي؟ أتعطيني حُضنًا دافئًا من قلبك الصّغير لقلبي المُنهك فتُعيد إنعاش خفقاته؟ أتسمح ليداكَ الناعمتين الصغيرتين أن تُطوقا عُنقي وأتلقفك بين يديّ فأضمُّك لصدري فأتناسى بعضًا من قسوة القلوب حولنا، قسوةٌ جعلت أبسط حقوقك أحلامًا تتمنّاها فقط، فبقيت جالسًا تتمنى الحصول على أمان قلبك، وسُكنى تبحث عنه فى ضمّةٍ ..
هل لي أن أسألك سؤالًا يُحيرني كثيرًا، قد لا تُدرك ما أتفوّه به لكنّي أشعر بالراحة فى قلبي أثناء حديثي معك، أجدُك تستمع إلىّ باهتمام مع أنك لا تفهم ما أقول ولكن يوجد بداخلي يقين أنّك تشعر بي وكأنك تقرأ نظرات عينىّ تلك النّظرات التى لا تحتاجُكَ لأن تكون مُتعلمًا للغةٍ بعينها، أو أن تضطرك للذّهاب لمدرسةٍ أو جامعة، بل تحتاج ذلك الطُّهر الذى ينضح بين خلجاتك صغيري، تحتاج ذلك الخفّاق البرئ بين أضلعي، أشكرك حقًا على ذلك الاهتمام ..
 
أرايت لقد سهوت عن سؤالي يا ملاكي، أجل فأنت ملاكٌ بِكل ملامحك وتصرفاتك، هيا إليك سؤالي المحيّر لقلبىي وعقلي:
“لماذا كلما تقدمت أعمارنا فقدنا تلك البراءة المغلفة لأرواحنا، فقدنا تلك الطفولة التى كانت تملؤ كياننا؟ لماذا كلما حاولنا العودة لها تسربت من بين أيدينا بحرفيّة عالية عالية كأنّها تُخبرنا أنّه لم يعد لنا مكان هناك، بل مكاننا هنا وسط عالم من قساة القلوب، وسط عالمٌ من اللا مُبالين بمن حولهم، كلُّ يبحث عن ذاتِه فقط، عالمٌ كلُّ ما يتردد فى عقل ساكنيه كلمة “أنا” كلٌّ يبحث عن ذاته ولا يلتفت لمن حوله ألتلك الدّرجة وصلنا من النّكران لمن حولنا؟ لماذا أصبح ذلك العالم مُتّشح بوشاح البخل ؟! أجل البخل ولا أعني بالبخل هنا بخل مالٍ للأسف لا فذلك أهون أنواعه، بل أقصد ذلك البخل الذى جعلنا ننفر ممن هو قريب ونتقرب ممن هو بعيد، ذلك البخل الذى حولنا لمسوخٍ تسعى فقط لإشباع ذاتها ونفسها فقط وتبخل على غيرها بقليلٍ منه، البخل الذى جعل أبٍ يقسو على أبنائه، وأبناءٍ جحدوا على الوالدين، عن أم قذفت بطفلها فى سلات القمامة، وابنةٌ ألقت بوالديها فى دار رعاية، أجل ذلك البخل هو بخل مشاعر، هو افتقارٌ للرحمة فى قلوبنا، افتقار أبٍ لقلبٍ رحيم بابنائه افتقاره لتعاليم رسولنا الحبيب “صلى الله عليه وسلم. ”

 

فعن أبو هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ:
(قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الأقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا فَقَالَ: الأَقْرَعُ إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: مَنْ لا يَرْحَمُ لا يُرْحَمُ.)
أليس ذلك بكافٍ ليُغير فى معاملته لهم، وذلك أو تلك الذين جحدوا بآبائهم ما قولهم فى قول رسولنا الكريم :
فقد قال الرّسول صلّى الله عليه وسلّم: (رغِم أنفُ رجُلٍ ذُكِرْتُ عندَه فلَمْ يُصَلِّ علَيَّ، ورغِم أنفُ رجُلٍ أدرَك أبوَيْهِ عندَ الكِبَرِ فلَمْ يُدخِلاه الجنَّةَ، ورغِم أنفُ رجُلٍ دخَل عليه شهرُ رمضانَ ثمَّ انسلَخ قبْلَ أنْ يُغفَرَ له).
وأيضًا عن عائشة رضي الله عنها قالت:
(نمتُ فرأيتُني في الجنَّةِ فسَمِعْتُ صوتَ قارئٍ يقرأُ فقُلتُ مَن هذا فقالوا هذا حارثةُ بنُ النُّعمانِ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلم كذلكَ البِرُّ كذلكَ البِرُّ وَكانَ أبرَّ النَّاسِ بأمِّهِ).
وكثيرٌ من أمثلة البخل فى المشاعر لن استطيع حصرها لتكاثرها المتزايد فى عالمنا، فرحمة الله على قلوبٍ تبلدت وتبدلت بصخور صلدة بل إنى بذلك أظلم الصخور، فإنى أشعر بها روحًا خفية تستجيب لما حولها وتتأثر ويكفى أنها تسبح لخالقها فتُعطينا أعظم دليل لوجود روحٍ تشعر بداخلها، ولكن يبقى السؤال معلقًا هل سنفيق أم سنستمر فى هذا الضياع!

 

آآه يا صغيرى أشعر أنّى ألقيت بعضًا من أعباء قلبى أرضًا أرحته قليلًا، شكرًا لك، أعلم أنّى شكرتك كثيرًا لكن ما جعلتنى أشعر به لا تكفيه كلمات شكرٍ فقط لكنى أقدم ما بين يدى ّ ..
ماذا بك صغيري؟ لماذا تغيرت ملامحك أصبحت أقرب للعبوس، هل كان لسؤالي ذلك التّأثير السئ عليك آسفة حقًا، إنى أعلم أنك لم تفهم فحواها ولكنّى أعلم أنك استشعرت الحزن فى ثناياها ولكن تلك هى الحقيقة التى أخشى أن تبصرها عيناك وتتوغل مُحاربة لتصل لخافقك فتلوثه، مُجرد تخيلى لذلك يرعبنى حقًا أدعو الله بدوام ذلك الطُّهر عليك ..
أعلم أنّى قد أوجعت لك رأسك بثرثرتي، وأعلم انى أصبحت ثرثارة فى الآونة الأخيرة، لكنّ ثرثرتي تنبع من ضيقي بصمتي المُهلك لنفسى.
هيا فلنترك أحاديث ذلك العالم على جنبٍ ونُرجو حلّ ذلك الموضوع بين يدىّ الخالق هو الأعلم بشئونه وحاله، ولنستمتع قليلا بلحظات الجنون الطفولىّ سويًّت لعلها تصبح ذكريات طيبة نستمد منها يد العون فيما هو قادم، تُصبح مُنبه لروح الطفل بداخلنا كلما غفا أيقظتها وأيقظت معها طيبتنا، هيا أعطنى بالونًا من بين تلك المجموعة بين يديك ولنأمل أن تطير بنا فوق الأفق البعيد نسترق منه لقطاتٍ من سعادة ونخبأها فى محفظة الذكريات.
مهلًا أتعشق الأيس كريم الشيكولاتة مثلى، إذاً هيا بنا ..

اترك تعليقا