أدب

أحلامُ القطط

هذا نصٌ لا أعدك بأنْ تجد فيه شيئًا عن أحلام قطط، ولا يمكنني الجَزم أيضًا أنك لن تجد. في الحقيقة هو مُجرد عنوان ظننته يصلح كَعنوان للثرثرة البائسة القادمة والتي لا أدري ماذا ستكون أيضًا.

 

الأفكار تصطخب برأسي طول الوقت، مئات الجمل  والاقتباسات والنصوص المختلفة، آلاف السيناريوهات لـ “ما كان لو لم يكن ماذا كان ليكون” سيمفونيات لا تنتهي من الحروف، يقولون إن الكاتب الحقيقي هو من يكتب طول الوقت ولو لم يخط كلمة، أنا كَاتبٌ بارعٌ إذن.

 

لو انكسرت رأسي هل تسيل أفكاري مع الدماء؟! هل أَثقُب ثقبين أعلى الجمجمة فتتطاير النصوص غير المُكتملة والتى لم تكتب قط فأرتاح قليلًا؟ هل يفوق النزيف قدرتي على التضميد لأموت فأرتاح كثيرًا؟!
حتى لو اعترضت صديقاتي المُتزوجات سأقول أن ألم كتابةِ  نص جديد يُعادِل ألم الولادة. أنتِ تعرفين أنكِ ستحظين بطفل ورُبما كذلك تعرفين هل هو صبي أم فتاة وكذلك الكاتب؛ يعرف أن حشدًا من الكلمات سيحيا لكن كِلاكما لا يعرف ملامح المولود أو صفاته؛ أشقر أم أسمر، نص طويل أم قصير مكثف، ذو شعر طويل وعيون واسعة أم يمتلئ حزنًا وكآبة -النص لا الوليد بالطبع- غير أنني لم أعد أفرح بما أكتبه رغم اقتناعي بأنه أدب لا بأس به ويستحق القراءة، رغم أن ما أكتبه يروق لي وأن أسلوبي تحسن مائة مرة ، لكنها لم تعد تمثل لي أكثر ما يمثل منديل تمسح به عن يديك الأذى، مجرد وسيلة لتخطي الحزن بعرضه أمام الجميع، أداة لتحويل البؤس مادة يمكن إمساكها، رغبة في الانضمام لركب الفنانين الذين خلقوا آلامهم سعادة ومنحوا العالم دموعهم ضحكة صافية. لكن علي أن أكتب لأن أحدًا  لا يراني من الداخل أو يكتبني بدقة كما أفعل أنا.

 

تقول أسماء أنها ميزة أنني أستطيع التعبير عما يَجول بخاطري، وهذه لعمري نعمة تستحق الشكر فيعد هذه المعالجة المضنية لا أقل من أفكر بالشيء فأكتبه كما يخطر لي، لا زيادة أو نقصان.

 

أصدق بالنظرية القائلة أن الحُبَ يعطينا شعورًا مبالغًا فيه بالرضا عن أنفسنا وأحوالنا، شعور قد يقعدنا كثيرًا عن طلب المجد في وظيفة أو مهنة، يبرد حميتنا للمنافسة، يسكن شعورنا بأن هناك ما هو أكثر، هي نظرية اختلقتها وآمنت بها وربما أكون قد استوحيتها من فيلم مفضل لي، تقضي الحبكة الرومانسية -وما يطلبه المشاهدون- أن يُؤمن البطل بأن دفء الحب وسعادته لا يضاهيها أي منصب في العالم؛ ليقتحم الصعاب ويتحدى الأقدار فيفوز بمحبوبته ويعيشان  سويًا بسعادة فتدمع أعين الفتيات مع قبلة النهاية ويسقط الفشار من أيديهن حين يرفعنها لتجفيف الدموع بسرعة بعد إضاءة أنوار الصالة. نهاية ما كنت لأقبل بأقل منها لكنها تظل على كل حال ما يَجب أن تكون عليه نهاية الفيلم الجيد لكني لا أتبع تلك النظرية في الحياة.

 

أؤمن أن الحب يجب أن يَذهب لِهولاء الذين لا يجدون ما يقدمونه، هؤلاء بالتأكيد يحتاجون بالشدة للرضا عن أنفسهم، أما المبدعون والساسة الأفذاذ فلماذا نحرم العالم من إنجازاتهم. إذا جاء الحب أولًا هل كان ڤان جوخ ليرسم رائعته “ليلة مرصعة بالنجوم” والتي أفقدتها الترجمة نصف جمالها على الأقل.

 

كل الكتابات التي خرجت من رحم اليأس والمعاناة لكنها بالرغم من ذلك ولكي تُصيبنا بالدوار، خرجت كائنات مكتملة جميلة باهرة الحُسن والدقة. ما الذي كان العالم ليخسره بفقد لوحة أو اثنتين؟! لا أدري، لكن بَدَت هذه كحجة جيدة خصوصًا أن تلك اللوحة من مفضلاتي، لكن هل كان نيوتن ليضع قوانينه وهو مشغول بإطعام أطفاله أو الجري وراء صغيره عاري الجذع كي يدخله في سراويلة القصيرة؟! لا أدري، ربما هو هُجوم على الحب بلا مبرر.

 

أو ربما له مبرر؟! أنت تحديدًا يجب أن تعلم هذا، حيما تتركني وحيدة يتآكلني القلق وتشكك أحاديثي التي لا تنقطع مع أشباحِك في سلامة قواي النفسية، أو ربما حينما تأتي فيكون وجودك مستبدًا لا يَقبل بشريكٍ، ويتضخم فَتتصاغر بجواره كل المهمات والواجبات. ربما حينما تأتي في حلمي، طيفًا لا يسعني إمساكه أو ابتسامة لا يمكنني رؤية سببها، ربما حين تلقي مزحة أفهم مَقصِدها فَأتصنع البلاهة وأضحك.

 

ربما يا صغيري حين تحضر تختفي الكلمات من عقلي، وأفقد أي تركيز ولا يسعني إلا أن أنصت، ربما حينَ تنظر إلي فأفهم النظرة من وقعها على جسدي لأنني لا أقوى على مبادلتك إياها. ربما حينما نعبر الطريق فأخاف من تشتت انتباهك وَأتحرج من أن أجذبك تجاهي، ربما حينما أفعل أي شيء بلا أريحية وبترقب لردة فعلك؛ لأنك هنا تنظر بتمعن وتدرك من تفاصيلي ما يفوق قدرتي على الإدراك أو رغبتي في الاهتمام.

 

ربما حينما تغمرني بمشاعر لا أجدني جديرة بها وأجدها دعوة مُبطنة لِمبادلتك بالمثل، ربما حينما أعلق في الانتظار الذي لا ينتهي في غيابك، وَللمُشاجرات العنيفة التي أخوضها مع خيالك وقلة حيلتي ما أن أراك.
ربما لنظرات قطي هتلر  العميقة الثابتة لعيني، ربما لأنني أتخيلني أنظر إليك من خلاله، ربما لِاستكانته في حجرتي وهو نائم فأذكر غيرتك، ربما لأن بك من التفاصيل ما أعجز عن الإحاطة به، ربما لأن لا أحد ولا آحاد مجتمعين يمكنهم ملء قدر بسيط من خِوائي حين تغيب، ربما لأنني شخصيًا لا أجد معنى لوجودي في جوفي بدونك، ربما لأنك تحولني إلى فكرة في عقلك تحتاج بشكل جوهري لوجودك.

 

ربما لأن ألمي منك إذا بلغ مداه استحال صبرًا جميلًا، ربما لأن كل صباح لا تشرق فيه ليس صباح الخير، ربما لأن كل الطرق تؤدي إليك، ربما لأن الإجابة هي أنت دومًا ولو لم يطرح قلبي أي سؤال، أو ربما لأنني حين أكون بجوارك أتوقف عن الإعجاب بالليلة المرصعة بالنجوم، وأكف عن الاهتمام بڤان جوخ أو انتحاره أو حياته كلها.

 

ربما لأنني أحبك.
مريم السنيطي
مريم السنيطي
طالبة بكلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية، كاتبة ومدونة مهتمة بالفلسفة والأدب.