صوت

غربة | حَربُ الرُّفَقَاء

كانَ سُؤال المَرأة التي تجلِس بِجانبي كَفيلا أن يَكسَر حَاجِز الصَّدمة التي سَيطرت عَلى حَالة الفَتىَ سَاعتِها، لكن سُرعان ما أصَاب هذا الكَسر أسوارُ سُجون العَقل فَأحدَث شَرخاً تَخلَّلت منه الأفكار إلى جِدارِ العَقل مباشرة. كانت الأسئِلة تَنحدر كالسيل إلى عقلي _عَقلي الذي لَم يُشكِّك أَحد فِي قُدرَتِه قَط_ أصابَه الشَّك

في اسم حَامِله،  وَتبَعثَرت الحُرُوف أَمَامه فَلم يَقدر عَلى جَمع كَلمة تُثبِت أنَّه مَازالَ حيَّا.
 
وفي ظِل مَاكانَ الفتي يُحاوِل أن يَجمَع قُواه فِي وَسَط هَذا المَرج إذ بَرَزت الثَّائِرة التي فكَّت أسر هذه الأفكار.. بَرَزَت عَدو الإنسان الأَوحَد.. بَرَزت الغُربة فِي أحلَك طَلَّاتِها.
 
كَانَت تَسير وَسَط الحشُود كَملِكة يَتنَافَس الكُل لِحمايتها، تَسير خُطوة ..تَتَبعها الخُطوة فِي تَنَاغم لا يَليق بِقُبحِها، وَتَعَلَّقت الحُشود بِفُستانها المُمتد إلىَ مالا نهاية، وتَسابَقوا لِنَيل رضاها !
 
سَاعتها تَساءَلت كم مِن باب أغلَقَه عَقلِي مُنذُ أَن كُنتُ صُغيراً كَي يَعصِمني مِن عَاصِفة الثَّورة التي اجتَاحَته، وَلم تَقدِر أسوَارَه عَلى الصموُّد أمَامَهم،  وَقتَها  أَدرَكت أنَّ الثُّوار كانوا دائمًا يَنتظرون إعلان رُؤية هِلال الثَّائِرة الأكبَر، وَكانَ لِزامًا علَى الفَتَى أن يَشرَب مِن كَأسِها حَتى
.تَحِل عليه اللَّعنة التي ستُلازِمه حتى المَمَات
 
رَاوَد ذِهن الفتي أفكار لاحَصرَ لها.. حَاول أن يُقاَوِمَها، وَلَكنَّه استَسَلَم بمُجرَّد التَّفكير فِي كَيفِية
!مُواجَهة عَدوَّهُ القَادِم لابتِلاعِه في دوَّامتِه دونَ انتِظار أو تأخير
! كيف سيجمع شتات جنودها التي تبعثرت في أرجاء عقله ويقضي عليهم
انقلبت الطاولة عليه، وجَثَى عَلى رُكبَتَيه مُستَسلِمًا. لِنَتِيجَة حَتمِية لَامَفرَّ مِنها
 
كَانَ الفتي يَتعجَّب مِن سُرعة الخُنوعِ والاسِتسلام الذي أصابه.  لَقد مرَّ بلَحظَات لاتُقارَن بِما يَمر بِه الآن، وَأظهَر رَبَاطة جَأش لَم يَقوَ كَثير مِن الأَقوِياء عَلى إظهارها.
 
سُرعان مَارَكَّزَت بُؤرة العَين عَلى نُقطة فِي بَحر الظَّلام الدَّامِس وَكَأن العَقل فَهم لِوهلة ما يُفكر به.
نَظَر الفَتى فإذ بالحُب الذي ادَّخرَه طَوالَ حَياتِه قد تزيَّن بالأَسوَد، وَصَار في مُقدمة صُفوف جَيشِها، وبَدأ مُسلسل كُره الفتى للحُب مِن أوَّل ليلة.
 
وَقتَها أجابَ العقل، وَفسَّر كثيرًا مِن الأسئلة التي رَاودَته بمجرد أن أقلَعَت الطَّائرة من أرض الوطن .
الآن أدرَكَ العقل أنَّ القَلب رَفيق دربه قَد هَجَره الحُب، وأصبح مُجرد عضلة تُنفذ أوامُر العُقل لإبقاء الفتىَ علىَ قيدِ الحياة.
 
قَد أخطَأ النَّاس حينَ قَالوا أن مَن يُصدر القَرَارَات هو العَقل، وأنَّ دَور القَلب عَاطفي كالمَرأة التي تحث زَوجِها عَلى عدم ضرب ابنها إذا أخطأ، وتدافع عنه.
 
إن القلبَ هُو عِماد الإنسان، بُستان الحُب الذي غَرس الله فيه بُذور الفطرة التي خلق الله الناس عليها،هو الشيء الوحيد الذي يُشعِرنا بِكوِننا أحياء عَلى هَذه الأرض.. مَخزَن الفَرحة إذا أصابك الهم، ومُؤدب العقل إذا فَلت زمَامه وهَام على وجهه .
لِذلك إن قابلت شخصاً يَتَحكم فيه عقله .. فاعلم أنَّ قَلبَه قَد هُجر وصَار خاوياً تَذرُوه الرِّياح.  
وفي خِضم التِّيه الذي أغرَق الفَتي بَدأت بَعض الأنوار بالصُعود إلي زُجَاج النَّافِذة مَرَّة أخرى، فَظن لِوهلة أنه رُبما عَاد إلى وَطَنه مَرة أخرى، وَلكن بِمُجرَّد أن نَظر الفتى تَلاشي الحُلم في سَاعَتِها.
 
كان كُل شَئ مُغاير لِما تَعوَّدَت عَليه عَين الفتى.. الشَّوارع مُضِيئة كَما لَو كَانت نَهاراً .. لَا تُوجَد حَركَة تُحرِّك الهَواء العَالق في جَنبات زَوَاياها .. أبراج مُرتَفِعة تُجبِرك عَلى النَّظر إليها دُون خَفض عينيك للنظر لما في الأسفل .
 
هَبَطت الطَّائرة في الظّلام فأدرك الفَتى أن الغُربة ابتَلَعَته، وَبَات مَحكومًا عَليه كَي ينجو أن يَخرج مِن الطرف الآخر كَما دخل أول مرة.
 
تَوَقَفت الطّائرة، وَسَارع النَّاس للخروج، فخرج الفتى دون أن يَحمل حَقائِبه، وَلَولا أن نَادَته المَرأة التي كَانت تَجلِس بِجانبه ما انتبه لذلك !
لا أدري لِم خَرَج الفَتَى على هذه الحالة.. مِن المُمكن أنَّه كَان يُريد أن يَتَذوق طَعم الهَواء الجَديد الذي سيسكن قلبه وَيُستبدل بالقديم.
هَذا مَاصارَ حَتميا حِينما سَبق الفتى النَّاس وَتَوجه إلي الباب خالي اليَدَين، وَوَقف على مَدخل الطائرة لِيَرتشف النَّفس الأوَل لَه في الغُربة، وَكَان حَاله سَاعَتَها شَبيهاً بحالة الطَّفل الذي يَتذَوق المَاء لِأوَّل مرة.. يَلُوكه فِي رِئتيه كَي يَلقَ له قَبولا.
 
بدأ شعور الحزن يتضائل شيئًا فشيئًا بعد أن رَافَقتني المرأة التي جَلست بِجانبي في جَنَبات المَطار تُحدثني عَن مُصطَلحات سمعتها دومًا، ولم أجربها قط .
كانت تُردد دوماً أن هُناك قَاعِدة عَامة يَسير عَليها الجَماد قَبلَ الأَحياء في مُجتمع الغريب.
 
( أنت حر … مالم تضر ))
 
كانت دوما تُردَّدَ “أنت حر أنت حر” فِي كل مرة كنت ألتفت إليها بِمجرد سَماع نبرة الكلمة كَأن لفظًا جَديدًا عَلى قاموسي لا يجد له تفسيرًا.
لم تكن تُدرك أني لم أعد أُصدق هَذه الكلمة .. لقد حُذفت من قَاموسي، وَلَم أعد أثق في قائلها.
 
نحن لم يُكتب لنا أن نكون أحرارًا دائمًا ..ما كان يَضيق علينا بَراح الدنيا بالخوف فكنا نري الهواء قضبانًا متشابكة تمنعنا الحديث.. تمنعنا حتي مجرد التفكير .
كُنا نَهرب إلى عُقولنا وَقت أن نَتأكد أننا قُمنا بإغلاق غُرفَتنا ونُجبره عَلي أحلام يَقظة لا تَأتي لنا في أحلامنا الدَّورية.
 
كُنا نُمارس الحُرية في غُرفتنا.. نَهتِف دَاخلنا بما لا نقدِر عَلى الإباحة به خارج أسوار الغرفة.. كَان الأمر أشبَه بمُخدر لا يَدوم مفعوله بمُجرد أن يُوشِي إلى القلب لكونِنا تربينا على أن للجماد آذاناً يَسمع بها.
 
أخبَرت المرأة: “كيف نَكونُ أحرارًا إن كُنا نخَاف مِن الجَماد قَبل الأحياء؟!”
توقف الزّمن لبرهة، ثم ساد السكوت .
 
أخذ الفتى حقائِبه وَتَوجه إلى بوَّابة الغربة الأساسية (الجوازات)، والتي اكتشف بَعد ذلك أنها بوابة خروجه .
كانت العَين تَتَحرَّك فِي كُل مَكان فِي المَطار.. ألوَان مِن البَشر قد انحَدَروا مِن تل، واستَقرّوا فِي مَكان واحد ..تَراصُّوا صفاً لِلولوج إلى عَالم غريب يَنتظرهم، وينتظرونه.. تنتظِرهم الحَرب، و يَنتَظِرون الحياة!
 
حربٌ شَنعاء مكانها داخلك.. حرب تُشبه حَلبَات المُصَارعة اليُونَانية إمَّا قَاتِل أو مَقتُول،  غَير أن المُختلف فقط أنها حرب الأصدِقاء.. حَرب العقل والقلب.. حرب العاطِفة والفِكر..حرب المُجتمع والمباديء.. حَرب الثَّبات والتَّغير.
لم يجد الفتى مَقدرة على سَماع قَوانين اللعبة التي  أحَبَّ ساعتها أن يحتضن الحلبة التي سَتَشهد انتصاره، أو موته، والتي مَازال يُصارع فيها إلي وَقتنا هذا على نُور مكتبه الباهت بلون الحياة.
 
ساقته قَدماه كرمحٍ إلى باب المطار الخَارجي،  فَعَانقَه هَواء الحَلبة، وَقَبَّلته القُبلة الأخيرة قَبل أن تَبدأ اللُعبة.
الكلمات الدلالية
أحمد معدي
أحمد معدي
- كاتب ومدون مصري مقيم بتركيا. - طالب بجامعة الشرق الأوسط التقنية بتركيا - هندسة مواد وفلزات.