رأي

صاحبُ المَوتِ

عندما كُنا نسرِق ثمارًا لشجرةٍ ما، للأغصانِ ذات الطرح الأفضل والأغزر كنا نتسابق، نترُك باقيهم لآخر السرقة، ولكن لماذا التفرقة العمياء بينهم؟! منذ أن غُرست الشجرة وبعد مرورِ عمرٌ لها، تُولد منها أغصانًا من المفترض أن لهم نفسَ العمر، لهم نفس الطرح من الثمار! بعد زمنٍ واحدٍ لجميع أجزائها يتوقف كل غُصنٍ بطولٍ يختلف عن الآخر فلماذا لا نفس الطول؟ ومن الممكن زيادة عدد الأغصان بمرور عُمر الشجرة.. فلا علامات تعجب تُوضع ولا ذكاء يَرسم هذه الأسئلة، فإن الأمر له عَلاقةٌ بالعلم البيولچي النباتي Botanica.


لكن الحياة هكذا أراها، شجرةٌ أغصانها نحن، تزداد أغصانًا تزداد طولاً وتنتهي أُخرى ولا يُذكر منها إلا ثِمارها، ينتهي نمو غُصنٍ ويولد آخر ولا يتبقى منهما إلا طَرحِهما.

لنا في الحياة موتٌ بعد طرح ثمارِنا، نثُمر في هذه الحياة لنُذكر بجمال الثمار ونتركه لغيرنا لنعيش معهم به بعد موتِنا كما نثُمر في دُنيانا للحياة الأخرى ورَغدِها، وإن لم تؤمِن بها فسبيلك الثمرة الأولى ثمرة الدُنيا وذِكرها، وإن أنت مؤمن بها لك الدُنيا والآخرة.



فكم فيكَ من دروسٍ أيها الموت الذي لا مفر مِنك؟ فعند قراءة كلمتك أو سماعها، بُركانًا بداخلنا يُحدثنا حديثًا عنيفًا، خوفًا منك أم حُزنًا على كونِ أغصانًا لم تُثمر في حياتها خيرًا..  لا ندري… لا ندري بحديثنا شيئًا، وعند عِلمنا بأنك جُند من جنود الله، يُضاف بُركانًا خارجيًا لنا، خوفًا من الله أم حُزنا على نفس ذات الأغصان، تقف أمامي كل يوم تنظر إليّ نظراتٍ ثاقبة وتنتظر دقَّ ساعتك لتقتطفني لتفرق بيني وبين غصني، تراودني أينما سِرتُ! تصاحبني في كل مكانٍ  أذهب إليه، أنا لا أُريد أن أفارقك بل أنت صاحبٌ أريد أن تدوم.. لكن… لكن ما بداخلك يقلقني. فأنت الجمال وفي قلبك أماني تزعجني، أنت البحرُ تستأذن الربَّ لتغرقني وأنت الأرض تتمنى لو تبلعني، أنت السماءُ تُريد وأن تطبقني، أنت المرض بداخلنا والفقر بخارجنا، أنت تصفيةُ حساباتٍ لست طرفًا فيها فأنت الحروبُ والإرهاب وأيُّ ميليشيات.


انتقلتُ لجزءٍ آخر من الشجرة أثناء سرقتي هذه… فجأةً طردْتُ فكرةَ الخوف منكَ، فإنك أيها الموت  ستموت بعد أن تُميت، تتنقل على شجرة الحياة حتى تُوقف نمو أغصانها، كما أنا أتنقل على شجرةٍ لأتلذذ ثِمارَ أغصانها.. مع الفارق، ولكني سأموت وأنت  ستموت بعد أن تُميت، فارقنا الوحيد يا صديقى أنك ستقبض روحي بيديك، وستُقبَض روحُك بيد الله عز وجل ولك حق التباهي بذلك. لكن المصيرَ واحدٌ والسكراتِ واحدة.



”قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ…“

 

فبعد هذه الرحمة الواسعة من الله، وُجب عليّ الخوفُ من الله، ليس كانطباعي من خوفي منكَ أولَ الأمرِ أيها الموت، فتعزيزي وإجلالي لله بعد هذه الرحمة وجب بعدها ذاك.

فاليوم أنت صديقٌ بعد مُعضلة، دافعٌ بعد يأس، بك أتطلع لاستثمار حياتي في الخير لأكون موضعَ ذِكر عند حُسن الظن، لابد لخلد ثمرة على غصن حياتي يتذكرها الناس، أقابلها بعد مماتي عند الله، وساٌقابلك يا موتِي بالسلام والعناق.

ابتعدْتُ عن سرقة ثمار شجرة الحديقة واستغفرت الله، ذهبتُ لغصني في الحياة أثمر عليه خيري، لكن معي دعوةً لك أيها القارئ قبل ذهابي.


تلك الدعوة لك فخُذها، دعوة لك لحضور مراسِم رحيلك ودفنك ثم عزائك ستحضرهم وستدخُل عزاءك وترى ما فى وجوهِ من جاء إليك في غيابك، ستتعرف على حُزنهم عليك. هل هو الحزن والعطف الذي لا يختلف من فقيدٍ لآخر، أم حزنٌ وعطفٌ على أنفسهم أنهم فقدوا شخصًا مِثلك، تُذكر بالخير وما خلفته من بعدك من ثمار غصنك لهؤلاء كمثل الشجرة التي كنت أسرقُها، أم سترى وتسمع العكس منهم، أنا أعلم أنك تفهم الباقي.

الموتُ صاحبٌ ليس كما كُنت أظن وأبكي في صِغري عندما كان أصدقاء أخي يعبثون بي ويهمهمون لي بأني سأموت، الموت ليس بصاحبٍ غدار يأتى فجأةً ويمحيني بل أنا الذي غدرت به عندما أهملت وجودَه ولقاءه عندما أعلمني بقدومه، فلا تهرب من عزرائيل وموته فإن لديه موعدًا معك قريبًا. فجهز خيرَ ثمارك في الدُنيا حتى تُكرم ضيفك الموت عندما يأتي، و إن أكرمتم موتكم وذهبتم معه بخير أعمالكم وثماركم ولم تجدوني في الجنة فاسألوا عني.

محمد شعبان
محمد شعبان
طالب بالهندسة المدنية، كاتب رواية سفنلا.