فن

كيف انتصر فيلم Wonder للانسانية بأكثر من طريقة؟!

“إنّ الهدف مِن الفنّ ليس تصوير المظاهر الخارجيّة للأشياء، ولكن المعنى الكامن داخلها.”

– أرسطو

لذا فما سأعرضه لن أسميه مراجعة، لأني لا أدعي فهم النقد/التحليل الفنّي، بل مُحاولة لتسليط الضوء علي المعنى الكامن فيما شاهدته، بالطريقة التي شاهدته بها، لأكون دقيقًا، محاولة لتسيلط الضوء علي ما أحسسته من مشاعر و معاني خلال الفيلم و ما عايشته من تجربة.

لن نشاهدَ كلَّ يومٍ فيلمًا يحتوي على كمّ من اللمحاتِ الإنسانية مثل ما يحتويه فيلمُ “Wonder”. الفيلم رائعةٌ إنسانية ليس لأنه يعرضُ -فقط- البُعدَ الإنساني لمُعاناة طفلٍ مُختلفِ المظهر وسطَ عالمٍ من البشر وضعوا أسسَ ومعاييرَ للجمال الظاهري إذا خرجْتَ عنها لن تسلمَ من سُخريتِهم و نكاتِهم، كأنك أنت من اختار هيئتَك ومظهرَك الخارجي.

بل إنه رائعةٌ من الروائعِ لأنه جعلنا نُعايشُ العديدَ من اللمحاتِ الإنسانية.

 

  • اللمحة الأولي: التأكيدُ على قِصَر نظرِنا فيما يتعلق بمسألةِ الجمال.

فنحن ننبهر وتتشدق أعينُنا لكل وجهٍ حسن، لدرجةٍ تجعلنا نغفلُ أحيانًا أن الجمالَ ليس حِكرًا على الوجه، وأن جمالَ المظهر لا يعني بالضرورةِ جمالَ دواخلِ الإنسان.

و أن ما تراه أعينُنا قبيحًا قد يحملُ في داخله من الجمالِ ونقاءِ الروح ما لا تتخيلُه أذهانُنا،

وأن ليس للإنسانِ أن يختارَ هيئتَه أو مظهره الخارجي، ولكنه يختارُ الطريقةَ التي يرى بها العالم ويرى بها الآخرين وطريقةَ تفاعلِه مع هذا العالم ومع الآخرين.

“أوجي” الطفلُ ذو الوجهِ المُشوّه تعرض لهذا الحُكمِ المسُبق الظالم المصحوبِ -دائمًا- بوابلٍ من السخرية والنكاتِ لدرجةٍ جعلتْه يبكي مُتسائلًا:

    “لم عليّ أن أكونَ بهذا القُبح؟”

لكن سُرعان ما أثبت لزملائه في المدرسة -واحدًا تلو الآخر- أنهم عُميان لمّا حصروا نظرتَهم وحُكمَهم على شكلِه فقط.

وأن الحُكمَ على الإنسان يكونُ بُناءً على دواخله التي انعكسَتْ في براءةِ تصرفاتِه، كانت جميلة ونقية لدرجةٍ أجبرَتْهم على الاعترافِ بخطأهم ومُصادقته والدفاعِ عنه لا بسبب الشفقة بل بسبب الحُب.

.

  • اللمحة الثانية: الفيلم -على عكس المتوقع- لم يكن يعرض قصة ومعاناة “أوجي” فقط.

بل فوجئنا أنه يعرض مُعاناةَ أختِه الكُبرى “ڤيا” التي أصحبت مُهمَلةً ومُهمَشة في البيت بعد وِلادةِ ” أوجي”، فوجودُه جعله -على حدِ تعبيرِها- كـ الشمسِ وهي وأمه وأبيه يدورون في فُلُكه، لكن الجميل أن هذا لم يؤثّرْ يومًا على حُبِها ودعمِها له.

الفيلم يؤكد على أن ولادتك بوجهٍ غير مشوّه ليس معناه على الإطلاق أنك لا تحتاج للرعايةِ والاهتمام، بل معناه أنك إنسانٌ لك احتياجاتك من الاهتمام والاحتواء وإنْ لم تجدْهم وسط أسرتِك فسُتعاني كثيرًا حتى تجدَهم.

تعمُّد عرضِ الأمور من وجهة نظر “ڤيا” هو تأكيدٌ على أن المُعاناة ليست حِكرًا على فئةٍ مُعينة، بل المُعاناة شيءٌ تشترك فيه البشرية بأكملِها حتى  إن تفاوتَتْ شدتُها من شخصٍ لآخر.

.

  • اللمحة الثالثة : تقديم صورة واقعية للطبيعة البشرية.

التي ليست بالمثالية المعصومة من الأخطاء وليس مطلوبًا منك أن تكون كذلك، بل عليك أن تكونَ على قدرٍ من الشجاعة لتعترفَ وتعتذرَ عندما تُخطئ وتحاول جاهدًا ألا تقع في هذا الخطأ مرةً أخرى، ومطلوبٌ منّا أن نرحمَ ضعفَنا ونسامحَ ونغفر للآخرين أخطاءهم.

فـ “ميرندا” صديقة أخته “ڤيا” المُقربة أخطأت في حق “ڤيا” بسبب الغيرة، لكنها سُرعان ما اعترفت بخطأها.

حُبُّها لـ “ڤيا” ورغبتُها لتعويضِها عن خطأها في حقها دفعَها للتخلي عن دورِها الرئيسي في المسرحية -ومن ثمّ التخلي عن التحيةِ والثناء المُصاحبين لتأدية الدور الرئيسي- لـ “ڤيا” عندما علمتْ أن أهلَ “ڤيا” سيكونون من المُشاهدين.

.

  • اللمحة الرابعة: الصورة الرائعة للدور الوصائي الأسري/المدرسي.

فأبواه -كما المتوقع- كانوا أكبرَ داعمٍ له ومُشاركين له في حياته على المستوى الفعلي والوجداني، أمه كرّست نفسها له ودرّسَتْه حتي بلغ سنَّ الصفِّ الخامس ثم دعموه وشجعوه على الذهابِ للمدرسة والاختلاط بالناس وتكوينِ صداقات.

ومُدير المدرسة كان قادرًا على رؤيةِ الأمور من كلِّ الزوايا وتصرفاته كانت في غايةِ الحكمة والواقعية مثل وقوفه بحزمٍ في وجهِ المُتنمرِّين حتى ولو كانوا أبناءً لآباءٍ أثرياء وذوي سُلطة.

أو موقفه عند عقابِه لـ “چاك ويل” على ضربه لـ “چوليان” بسبب إهانته لـ “أوجي”، عندها وضّح له أنه يرفضُ أن يتعاركَ طالبان، ولكنه يرى أيضًا أن دفاعَ الأصدقاء عن بعضِهم البعض شيءٌ جيد.

.

  • اللمحة الخامسة: الصورة الرائعة لدورِ الأم وقُدرتها على القيام بأمورٍ أخرى بجانب أمومتها.

ففي نفسِ الوقت التي كرسَّتْ فيه الأم مُعظمَ وقتِها واهتمامِها لـ “أوجي” لم تتوقفْ عن القيام بأدوارٍ أخرى كـ الرسمِ وتقديم الأطروحات.

.

  • اللمحة الأخيرة: اللفتة الجميلة التي أشارت إليها “چوليا روبريتس” -في دور الأم- لتواسي “أوجي” بعد عودته أولَ يوم من المدرسة باكيًا بسبب ما تعرّض له من إهانات.

وهي أن دواخلَنا هي الخريطة التي تُرشدُنا إلي أين نذهب، في حينِ أن الندوبَ والتجاعيد على وجوهِنا ليست دليلًا على القُبح، بل هي مساراتُ الرحلة التي خُضْناها في الحياة ودليلٌ على تجربتِنا فيها وتفاعلِنا معها وخريطةٌ لكلِّ ما عايشناه فيها.

الكلمات الدلالية
عمر عبدالرؤوف
عمر عبدالرؤوف
مهندس قوى كهربية. إنسان علي هامش الإنتمائات إنسان علي هامش الإنتمائات، مؤمن بالحرية والعدل وبقيمة العقل والفكر الحر، متذوّق للفن، مهتم بالسينما وبالجمال أينما وجد وبالإنسان أينما ولد.

التعليقات مغلقة