تاريخ وسياسة

الصفحُ للأقوى

يُعد صفحُ البابا يوحنا بولس الثاني -بابا الكنيسه الكاثوليكية في روما- (بين عامي 1978 و 2005)  عن محمد علي أغا، هوالصفح الأغربُ في التاريخ.

 

حيث بعد أن قام الأخيرُ بإطلاقِ الرَّصاص الحي على البابا في إحدى جولاته في ساحة القديس بطرس في البرتغال، كانت جولةَ البابا بمناسبة الذكرى السنوية لظهورِ القديسة مريم بـبلدة فاطيما Fatima حسب العقيدة الكاثوليكية.

 

وتم إلقاءُ القبض على التركي أغا  عَقِب الحادثِ مباشرةً، وحُكِم عليه بالسِجنِ مدى الحياة في روما قضى منها 19 سنة في سجون إيطاليا قبل تسليمِه للسلطات التركية في عام 2000.
بينما تعافى البابا من الرصاصة التي أصابته في منطقة البطن ونجا من الحادث.

 

ولكن ما أثار دهشةَ العالم أجمع في ذلك الوقت هو صفحُ البابا بولس الثاني عن أغا وزياتُه له في السجن وتحدثُه معه لمدةِ ما يقارب العشرين دقيقة -غير معلنة الموضوع- ، وصرح البابا أن ما دار بينه وبين أغا من حوارٍ هو أمرٌ سريٌّ للغاية،  وقد أثارَت سماحةُ البابا في الصفح عن أغا   إعجابَ الصحفِ العالمية،  حيث تصدرت صورتُه مع من حاول قتلَه وهو يصافحه باليدِ أغلفةَ الصحفِ العالمية  ومن أهمها صحيفة التايمز )The TIMES ) البريطانية مع عُنوان عريض..

”         !?WHY FORGIVE”

محمد علي أغا والبابا يوحنا بولس الثاني
البابا يوحنا بولس الثاني يزرو محمد علي أغا في السجن

 

 

أثار تصرف البابا علاماتِ تعجبٍ لدى الرأيِ العام العالمي في ذلك الوقت، ولكن من يبحثُ في سيرة الرجل يعرفُ أن التصرفَ ليس ببعيدٍ عن دهائه القيادي.

 

لقد كانت مسيرةُ بولس الثاني مليئةً بالأحداثِ المثيرة والآراءِ القوية والمُناهِضة للسياسات السائدة في عصره، حيث كان البابا مُناهِضًا للشيوعية  في ذلك الوقت، ويُنسَب إليه الفضلُ في القضاء عليها في موطنِه الأم بولاندا، وكان ذلك واضحًا من خلالِ دعمه للثورة المُناهِضة للشيوعية في بولندا، وكذلك كان للرجل موقفُه الحاسم من قضايا اجتماعيةٍ شائكة في ذلك الوقت أبرزها:

 

نبْذ أفكارٍ مثل الإجهاض، والإعدام بالموتِ الرحيم، حيث كان الرجل ينبذ قتلَ الروح بكل أشكاله، وكان يري طبقًا لعقيدتِه أن الروحَ هي من روحِ الله.
كما كانت له آراؤه الدينية المتسامحة، حيث كانت دعواه التسامح بين الأديان، وكل الأديان شملت لديه من فصائلِ المسيحية الأرثوذوكسية واللوثرية والأديان السماوية: الإسلام واليهودية،  بل إن الأمرَ امتد إلى البوذية، حيث اتفق مع قائد الطائفة في كثير من القضايا الاجتماعية والسياسية أبرزها: مُناهَضة الشيوعية، وقام بزيارته أيضًا.
ومن أبرز ما قام به للتسامح مع الدين الإسلامي كان دخولُ مسجدٍ في سوريا في إحدى الزيارات والصلاة فيه  وإصرارِه على اتباع عادات المسلمين عند دخول المسجد حيث خلع الحذاء قبل الدخول وأداء الصلاة ومن أبرز تعليقاته في ذلك الصدد:

“إن المسلمين والمسيحيين أساؤوا إلى بعضِهم البعض، ونحن اليومَ نطلب الاستغفارَ عن ذلك من الله العلي والقدير، ونقدم الاعتذار عن كلِ خطأ آخر”.

 

والحادثُ الأشهرُ كان قبلَ عامٍ من وفاته حيث في عام 2004، عَمَد الرجلُ إلى إقامةِ  “الحفلة البابوية للمصالحة” والتي جمعتْ قادةً مسلمين مع زعماءً يهود وقادةً كاثوليك في الڤاتيكان.
مما لاشك فيه أن بولس الثاني قضى عمرًا حافلًا بالأحداث المخالِفة  لرغبةِ السياسات العظمى في العالم مما لا يكون غريبًا على العقل أن يتعرض لمحاولاتِ اغتيالٍ لثلاث مراتٍ في حياته، ولكن يشاءُ القدرُ أن ينجوَ من الإصابة في الحادثتين واللتان تبعتا حادثة أغا.

 

وقد كان من المثيرِ للجدل أيضًا هو ادعاءُ محمد علي أغا  التحولِ عن الدين الإسلامي إلى الكاثوليكية المسيحية، وتصريحاته بعد خروجِه من السجن، برغبته بوضع باقةٍ من الزهورِ في ساحة القديس بطرس، كتعبيرٍ عن أسفه لما قام به تَجَاه الرجلِ الذي عفا عنه وصفح.
لكن حياة الأغا لم تكتملْ على وتيرةِ الخير كما دعى له البابا، بل إنه اتُهِم باغتيالِ وقتلِ أحدِ الصحفيّين، وعاد إلى السجن كما صرّح محاميه أنه كان مترددًا ومتشككًا جدًا في قرارِ تحولِّه الديني.
وهنا يأتي السؤال.. هل فكر البابا في الصفح؟ أم أنه كان يريد أن يجني نتائجَ الصفح من نصرة للكنيسة الكاثوليكية؟!

 

بالنظِر لحياة الرجل تجدُ أنه من الأيقوناتِ المحيرة في القرن العشرين. لا شك في سماحةِ الأديان، ولا شك في أن الرجلَ أرسى  دعائمَ الكنيسة بأفكارٍ دينية وسياسية قوية تنمُّ عن إدراكٍ لكلِّ خُطوةٍ كان يقوم بها وعن تفكيرٍ وتدبير، الأمرُ الذي جعلَ أعمالَه تحملُ رسائلَ عدةً للعالَمِ عن سماحةِ الكنيسة الكاثوليكية في ذلك الوقت.

 

لقد تربّع البابا يوحنا بولس الثاني  على عرشِ الڤاتيكان طيلة 27 عام من عمره، وقد كان البابا البولندي الأولُ الذي يتولى الباباوية للكنيسةِ الكاثوليكية.
وقد ذهب بأفكارِه في التسامح إلى ما قد لا يقبلُه الدينُ من تسامحٍ مع الديانات غيرِ السماوية، وغيرِها من الأمور.

لكن الرجلَ كان داعيَ سلامٍ بشكلٍ أساسي.. تاركًا خلفَه وأفعالًا من التدبر فيها عِبرة.

الكلمات الدلالية
مي سلام
مي سلام
كاتبة وروائية مصرية صدر عنها رواية أتاتورك. - أحد أعضاء فريق التحرير بقُرْبَة. - طالبة بكلية التربية جامعة طنطا الفرقة الرابعة.