رأي

تحت بئر العلم

هذا ولا بُد أن نبدأها باسم اللَّه العالم العلّام الذي جلالته قد قال لملائكته” إني جاعل في الأرض خليفة”. ولتحقيق آدم عليه السلام لوظيفة هذا الاستخلاف فقد تأمل ونَقَبَ وفَكر وبَحث ليصل لأفضل السُبلِ للعيشِ علي أرض اللَّه، فقد اتبع آدم عليه السلام البَحث في أول الزمان، ومن هُنا ولعدة قرون طويلة والانسان يُمارس المُحاولات الدائبة للمعرفة والفِهمِ لكوننا بطُرق تلقائيّة، إلى أنَّ تَطور البَحثِ بأساليبٍ مُتفق عليها وبطُرق علميّة للوُصول إلي الحقائق وفهم ظواهر كوننا …

 

فَفي حقيقة الأمر لا تُحقق وظيفة الاستخلاف الإلهية التي دَعونا إليها إلا بالبحث العلمي، فَالاستخلاف ما هي إلا دعوة صريحة لأهمية البحث العلمي والإهتمام به للوصول إلى أسرار الأرضِ والسماوات لتحقيق وظيفة الاستخلاف , فَبالبحث العلمي يرتقي مستوى آدم – أنتَ – فكريًّا ومدنيًّا وثقافيًّا وتصحيح المُعتقدات نحو الخالق  والتغلب علي الصعوبات التي تُواجِهه.

 

ولقد تَطور البَحثُ العلمي على أيدينا في العصورِ القديمة مرورًا بالعَصور الوُسطى، لقد كُنا نخطوا درجات السُلم لأعلي، و الآن .. أين نحن على هذا السُلم العلمي؟! وكأننا رأينا سراب لورقةِ نقود مُمزقة أسفل السُلم فأخرجنا ألسنتنا وأخذنا نلهث ونلهث ودارت وجهتنا للهبوط بدلًا من استكمال الصعود، وأخذ الأوروبيون مكاننا واستكملوا الصُعود لإنشاء العلوم الحديثة على الأُسس التي وَضعها الإنسان العربي، وتبنوا مفهوم المزاوجة للحصول على تطبيقات عملية من العلوم النظرية، وعلى الرغم من عدم رَؤية الأوروبيون لنهايةِ لهذا السُلم رغم سُرعتهم واهتمامهم للبحث العلمي إلا أنهم لم يتكاسلوا يوماً و تزداد سُرعتهم يومًا بعد يوم، لذا فَعالمنا يَحكمه السُرعة والسرعة، إضافةً على ذلك قد وضعوا أسس للتفكير العلمي، فأينَ نَحن مِن نصيب البَحث العلمي؟! و أين دورنا الرِيادي بَيْن الحضارات؟! أين نحن من الإستخلاف؟! ففي حقيقة الأمر لسنا مُجتمعات معلوماتيّة، لا نَستطيع صِناعة المَعلومة.

 

إن البحث العلمي والإبداع لا يتحقق إلا في أجواء ديمقراطية، واحدة من أهم هذه الأجواء هي الحرية الأكاديمية التي تتمثل في انعدام وُجود قيود فاسدة لا معنى لها على الجامعة والباحثين وأساتذة الجامعات والطلاب، فَاحترام الحُرّيات الأكاديمية تؤدي لمصداقية البحث، فلا رِقابة من أي هيئة  داخل أو خارج الجامعة تفرض علي أُستاذ الجامعة أو الباحث ويُترك لهم العمل بحُرية والحق في إجراء البُحوث ومناقشتها ونقلها للطَلاب ونَشر نواتجها دون تَحويرها لتُلائِم مِيُول نظام لا يلبس العباءة المُقننة للوائح كما نرى في بعض اللوائح كـ : ” تضمنت التشريعات الحرية الأكاديمية لعضو هيئة التدريس من حيث تمتعه بالحرية الكاملة في التفكير والتعبير والنشر وتبادل الرأي فيما يتعلق بالتدريس والبحث العلمي والنشاطات الجامعية الأخرى – استعد لِرائحة العفن – وذلك في حدود القوانين المعمول بها مع الالتزام بالأنظمة والتعليمات الجامعية – أشممت! – في حُدود القوانين المعمول بها.” مما يَعني تَدْخُل السُلطة في أي وقتِ تحت هذه الجُملة وإيقاف ما يريدون إيقافه.
كَما أن لِلطالب الحقُ في التعبير والتفكير والبحث والمشاركة في التدريبات البحثية العلمية، واختيار المواد التي يُريد أن يُدرسها وحرية الحُضور أو عدم الحضور للمحاضرات فلا يُزرع <كويز> ولا ورقة في المحاضرات يأخذ بواسطتهم الغياب والحضور!، ولا يَصح التشهير بالطلاب في الجامعات ويَجب إعطاء حُقوقهم في جَميع الأنشطة الطلابية والبحثية، كما أن لهم الحق في اختيار طريقة تعليمهم والحق  على الاعتراض على عقلية وتفكير أستاذهم الجامعي.

 

حُجة “الحفاظ على الوضع الراهن.” غير مقبولة بالمرة وليس لها علاقة بالعلم، فعلى عكس المُدعين الذين يدعون أن الدين لا يدعو إلى العلم بل وحقيقةً أن قوانينهم وقوانينا الوضعية هي السد البليد في هذا الأمر، وفي عالمنا العربي بالأخص يتعرض البحث العلمي للاضطهاد لعدم احترام الحريات الاكاديميّة وتصادم السلطة بالبحث العلمي بسبب معتقدات وأهداف السلطة، وهذا سيهبط بنا لبداية وقاع السُلم العلمي الذي نَهبطهُ بدلًا من أن نستكمل صعوده وسيؤدي بنا لأمه لم تُحقق وظيفة الاستخلاف التي آمنت بها، كما سََيؤدي لنُفور العلماء للغرب ونواتج أخرى تدعو الشباب للخُروج عن المألوف، ولم يكن هذا شيء جديد في عالمنا،  فَجاليليو كمثال من كثير من العلماء قد جاءَ  بأبحاثٍ علمية جديدة تَتعارض مع المُعتقدات السائدة آنذاك مما أدى لاضطهاد كثير من العلماء في هذه الفترة كما أدى  لنواتج كارثية بالمرة في هذه الفترة .

 

نحنُ – العرب – الآن لسنا تحت أوائل السُلم العلمي، إنما في حقيقة الأمر في أحضان كراكيب بئر السلم، ماذا لو علمت أول هذه التراكيب! أن الأفراد العلميين في إسرائيل تقريبًا عَشرة أضعاف العلميين للعرب!، ليس فقط، كما أن جامعة Duke وهي من ضمن جامعات الجامعات الأمريكية فهي تُنفق على البحث العلمي ضعف ما تنفقه دولة مصر!

 

دعنا نُنصف بأن عَدم تَوافر الحُريّة الأكاديمية في العالم العربي ليست بمُفردها التي أدت بنا لأسفل السافلين، لكن دعنا نقول أيضاً أن ما سيُقال فـهم نواتجها ووصف بئر السلم بباقي كراكيبَهُ كارتفاع نسبة عدد الطلبة إلى أعضاء هيئة التدريس عن النسب العالمية المُتعارف عليها وانشغال عدد كبير من أعضاء هيئة التدريس للعمل الإضافي  وهروب مُعظم الكوادر العلمية للدول المتقدمة، واستغلال أعضاء هيئة التدريس لسنة التفرغ العلمي بدلًا. من أنْ يقضونها في البحوث العلمية الجديدة ..


ورُبما بدأ الاهتمام بِالبحث العلمي في مصر متأخرًا، كما أننا نَملك مباني فخمة للأبحاث العلمية في كثير من المجالات، وكل هذا جميل لكننا لا نملك  بحث علمي حقيقي، فإذا قلبنا في عائدات البحث العلمى فى مصر فلا نَنال إلا بسراب يفرحنا لفترة  ستنته شئنا أم أبينا، في حقيقة الأمر أننا لا نُريد تمويل قطع أقمشة تُلبس وتُلف حول وسط مصر لتهتز يمينًا ويسارًا! .. نُريد تمويل حقيقي وحُرية كاملة للعلم للبحث العلمي لتحقيق وظيفة الاستخلاف و لصعود السلم العلمي ثانيًا بعدما نخرج من أحضان  الكراكيب من تحت بئر العلم.

محمد شعبان
محمد شعبان
طالب بالهندسة المدنية، كاتب رواية سفنلا.

اترك تعليقا