صوت

البئـر

أذكرُ جيدًا كيفَ ألقيتُ نفسي بِملئ إرادتي في هذا البئر، وأذكر أنه لم يكن لديّ أدنَى رغبةٍ في ذلك.

بمعنى آخر.. لم يَكُن البئر بحد ذاته هو الهدف، بل ما كان لَديّ هو العزم على الهُروب من كل الذي لم يكن مبدأيًّا يُزعجني في الأعلى، ولكنه كان يُمَثل أشدَّ أنواع الضغط بُعدًا عن بِدائيّات الرَاحة.

أذكرُ كيف تَحطمَت كل أضلع جسدي حال وصولي للقاع، ثم أنها ترابطت مجددًا بروابط من حُرية غير مشروطة.. مَثلت للعديد من البشر في الأعلى نوعًا لا يُقاوَم من الإغراءِ.

حينها تجردتُ من جَميع ملابسي قبل أن أحصل حتى على بديل ليستُرَني، لكنني سُرعان ما حَصلت لِنفسي على ملابس قد لا تُشبه في مضمونها ما اعتدت أن أرتديه مؤخرًا، لكنني أحببتها بذات إرادتي السابقة.

فلنقل أن الزمن الذي فَصَلَ بَيْن وُصولي إلى هُنا وتَجرُدِي من كل ما كان يُعبر عني في الأعلى لم يكن سِوَى دقائق معدودة. أنا الآن أنتمي لقاع البئر لكن دُون هوية لذاتي، بدأت بأن أخبرتُ كُل من التقيت بهم باسمي الحقيقي، فأنا لم أتجرد من ذاتي كراهيةً لها، بل إنه ما يحدث حين يكتمل حبُك لما أنت عليه، تبدأ كل تلك الأسئلة المُتعلقة بالثقة في طرح ذاتها، وتبدأ أنت خَطْئًا في تفسير أهون نظرات الناس إليك.

فليَكُن إذًا.. كل ما كنت أريده هو أن أكُونَ أنا ذاتي من جديد، في مكان لا حدود فيه للا قواعد واللا شروط، عَلّني أُثبت لذاتي أنها تستحق الحياة على ما هي عليه، لأكتسب من الثقة ما يدفعني للمُضي قدمًا حتى تحين النهايةُ.

أنا هُنا حرة بالكامل، فلا يُوجد ما يُقيّد أفعالي أو يَحُدُ مشاعري، لكنني فوجئت أنني مَازلتُ أنا.

ففي أول نِزال بيني و بيني، وَجدتُ من مبادئي ما يُبقيني على معرفةٍ كاملة بصاحبة الوجه الذي أراه يَوميًّا في المرآة، ووجدت من كرامتي ما يدفعني لحُب أفعالي التي تَصدُرُ تِلقائيًا عني “أنا” وحَسب، ووجدت بداخلي اتزانًا جَعلني أُحب أفكاري بل وأُؤمن بها.. ربما يَنقُصه الكثير، لَكنه في طريقه ليُحقق لي الاكتفاء.

كنت أُؤمن -كَالجميع- فِي الأعلى أن حصص البشر من العيوب والمزايا مُتساوية، لكنني الآن أصبحتُ أُوقن أن ما يُهم هو أن أعترف بِعيوبي، وأن أبدأ في حُبِها حتى أمضيَ قدمًا في تَغييرها، وأن يُصبح تَطوري غايةً أَنشُدُها فضلًا عن كونهِ وسيلةً لاكتساب القوة في الوَقت نفسه.

تَعلمتُ أن الكسل سَيدوم ما دُمنا نَحرصُ على تَبريرِه لأنفسنا، وأنه مع دوامِ ذلك الكسل سيزيد إحساسُنا بالضَآلةِ أمامَ العَالم الذي يَفوق تطوره كل ما يُسميه العلماء “سرعة”.
أنا ما زلت في الأسفل، لكن طموحي الآن هو أن أعود للأعلى بكامل ما اكتسبتُ. أو علّني أبني لذاتي حياةً في الأعلى بِجوار البئر العَزيز الذي جَعلني أُحب الحياةَ خارجه وفاءً لتَجربتي فيه.


بَينما يَنشغلُ الجميع بتفسير الحُرية والمُفاضلة بين منافعها للبشر وسُوءِ استغلالهم إيّاها، اصنعْ من حُريتِك ما يَجعلُك تَفهم ذاتك فَتَقودها لقُوة مَبنية على الإيمان.
قد يَنظر بعضنا إلى عيوبه على أنها  قاتلةٌ لمُجرد أن ظُهورها في مُجتمعه سيكون كارثيًّا، لَكنه إن آمن بأنها “عيوب” في مُجمل بئر البشر وتناسى أنها “كارثية” خارجه سيوفر على ذاتِه الجَلد الذي لا يأتي من ورائهِ سِوَى ألم الخِذْلان، وسيركز طاقته على تغيير ما يجب تغييره بأقصى قدر ممكن.

تسنيم سعيد
تسنيم سعيد
طالبة بهندسة الحاسبات والتحكم الآلي، مدونه مهتمه بالأدب وكتابة الخواطر.