صوت

آفةُ العشرين

قد يبدو غريبًا بعضَ الشيءِ لو أخبرْتُكم عن عادتي في إجراءِ بعضِ الحساباتِ الرياضية عندما تقعُ يدي على سيرةِ أحدِ الأدباء أو الكُتّاب، سأضربُ لكم مثالًا: (إدجار آلان بو( روائي أمريكيّ، وُلد عام ١٨٠٩م، وألّف أولَ أعمالِه القصصية (حُلْم داخل حُلْم) عام ١٩٢٧،  وبطرحِ هذا الرقمِ من ذاك، نصِلُ إلى أنه كان في الثامنةِ عشْرة من عمرِه، ومن ثمّ قد نتفقُ سويًا أنه ما زال صغيرًا طالما لم يتجاوزْ العشرين. مثالًا آخر: (نجيب محفوظ) ولد عام ١٩١١م ، وكتب أولَ أعمالِه (مِصر القديمة) عام ١٩٣٢م.. أي عندما كان في الواحدةِ والعشرين، مثالًا أخيرًا نبدأُ من عندِه: (دوستويفسكي(  الروسي وُلد عام ١٨٢٢م، وكتب أولَى رواياتِه (الفقراء) في ١٨٤٦م،  أي عندما كان في الرابعةِ والعشرين من عمره.

لعلّكم  استوعبْتُم الهدفَ الذي أرمي إليه.. ولا يهمُ إن اتفقْتُم معي أم اختلفتُم علَى سطحيةِ هذا الأسلوبِ وحماقتِه، بقدرِ ما يكفي أني أستعجبُ نفسي عندما تتسللُ إليها هذه الرغبةُ التي لا عَلاقةَ لها بالمفهومِ الدقيقِ للمعرفةِ أو الاطلاع، هوسٌ طفوليّ مصحوبٌ بمراقبةٍ فاحصة لعمرِ العشرين وما تم قبلَه وبعدَه، رغبةٌ مشوبةٌ بتتبّعٍ بليدٍ لأعمارِ هؤلاء العظماء، ومقارنةٌ ساذجة بين إنجازاتي التي لم تتخطَّ حاجزَ الحُلْمِ بعدْ وإنجازاتِهم في نفسِ ذات المرحلةِ العمرية، ثم بقليلٍ من التباكي والتململِ المصطنع، تذكرْتُ أني حلُمْتُ كثيرًا وخططْتُ أن أصبحَ شيئًا مبهرًا قبل أن أصلَ إلى العشرين من عمري، وفاقت أحلامي حدودَ المنطقِ والظروفِ والمجتمع، واقتنعْتُ أنّ العظيمَ ليس عظيمًا إلا لو كان عظيمًا في صغرِه، وأنّ كلَّ الكتابِ والعلماءِ والفلاسفة والفنانين بالكاد كانوا مبهرين وهُم في المهد.. وهُم في الرضاعة.. وهُم في صفوف المدارس النظامية.. وهُم قبل العشرين.. وفي العشرين.. وبعدَ العشرين.

لأكونَ أكثرَ وضوحًا معكم، هناك شبحٌ ما يحلقُ خلف هذا الرقم، ضبابٌ يحجبُ الرؤية.. وَسوَاسٌ مؤرق! رُبما الخوفُ من العمرِ الذي لا نلحقُه.. المسئوليةُ المفاجئة.. التجاربُ المترقّبة.. الأحلامُ التي بصددِ التنفيذ؟! أيًا يكن.. إنه رقمٌ خبيث، ولوهلةٍ شعرْتُ أني أخضعُ لحساباتٍ ليست منطقيةً على الإطلاق، هذا الرقم -الذي أبحثُ عنه في قِصصِ العظماء.. بل أبحثُ عنه عند أيِّ شخصٍ قريبًا كان أم بعيدًا، لأحكمَ على نفسي حُكمًا قاسيًا لو كان مُتخَّمًا بالإنجازات،  أو أشعرَ بالطمأنينةِ لو مازال فارغًا منها- لا أدري صراحةً لم نصّبْتُه حَكمًا للنجاحِ ومعيارًا للتفوقِ والنبوغ، هذا الرقم الذي يثيرُ في نفسي خليطًا من المشاعرِ المربكة، ويطرحُ تساؤلاتٍ مبنيةً على الوهمِ وانعدامِ الثقة بالذات، ويضعُكَ في مواجهةٍ مع المبرراتِ الواهية والحُجَجِ الفقاعيةِ البليدة.. هل يستحقُ حقًا كلَّ هذا التفكير؟ هل كلُّ العظماءِ نصّبُوا هذا الرقمَ قاضيًا عليهِم؟ وهل حقًا من فاتَتْه العشرون سيفوتُه ركبُ العظمةِ والتفوق؟

حساباتي الاعتيادية تبرهنُ ولو ظاهريًا على أن هؤلاء الذين نالوا حظًّا من البقاءِ في ذاكرةِ التاريخ. لم يتفرغوا للتفكيرِ في هذه العشرين، ولم تكنْ تعنيهم بقدرِ ما عنوا بالتجرِبةِ والمحاولة، وعنوا بذواتِهم، وبالصمودِ أمام استفزازاتِ الحياة.. هذه التجربة وهذا  الصمود لم يرتبطْ بتاريخٍ ولا زمن؛ قد يبدأُ في العشرين.. قد يبدأُ في الأربعين.. وقد يبدأُ مع تساقطِ الأسنان.
حساباتي لم تنصفْني كثيرًا لأنها رياضيةٌ تخلو من التفكير؛ لم تخبرْني أن بعضَ المحاولاتِ الكثيرةِ المبكّرة كثيرًا ما تُوصَمُ بالفشلِ، وأن ثمة بدايةً واحدةً متأخرة قد تكفي لبلوغِ  ذُروةِ المجد. لم تخبرْني أيضًا أن الأديبَ الذي ألّفَ روايتَه الأولى في الثلاثين أو في الأربعين، لم يكنْ مِزاجيًا لاهيًا عابثًا.. بل على الأقلِ سلخَتْهُ التجاربُ سلْخًا وأهلكَتْهُ الرغبةُ في التعلمِّ وأنهكَه الشغفُ، وظلَّ صامتًا حتى انفجرَ في لحظةٍ من لحظاتِ التجلِّي.. لا عَلاقةَ لها بالعشرين بقدرِ ما كانت مرتبطةً كلَّ الارتباطِ بما كان يفعلُه ساعةَ أن كان في العشرين. حساباتي الرياضيةُ لم تخبرنْي أن التجاربَ الحياتية ليست إنجازًا مُسجَلًا بقدرِ ما هي محفورةٌ في صدرِ الإنسان.. لذلك قد لا أجدُ في قائمةِ التواريخِ أن في العشرين من عمرِ هذا العالَمِ العظيم كانت هناك تجربةٌ حقيقيةٌ لم تُسفرْ عن إنجاز، لكنها أسفرَتْ عن تعلمٍ وخبرة.

الآن أتذكرُ أحلامي والخططَ التي وضعْتُها لنفسي ولكن بقليلٍ من الروّية،  وبالحقيقةِ الجديدة التي لم أُصدَمْ بها كثيرًا بقدرِ ما أدركْتُ أني لم أكنْ وقتَها سوى ساذجًا، ولم أهتَمْ كثيرًا أني كنت ساذجًا طالما كانت هناك حقيقةٌ ما، وأن هذه العشرين التي أبحثُ عنها لم تكنْ سوى صنمًا أنحني أمامَه لو أجلّتُ حُلْمًا أردتُه بعذرٍ كان أو بدونِ عذر، صنمًا أتباكى أمامَه لو قصّرْتُ في حقِّ نفسي، أو أقدمُ إليه قرابينِ الاعتذار، وأدركْتُ أنّه يكفيني أن أعي هذه الحقيقةَ وأحطمَّ هذا الصنم؛ فقط لأنه يصيبُني بالخوفِ ويُشعِرُني بأني ارتكبْتُ جُرْمًا فاجرًا في حقِّ نفسي في حين أنّي أحاولُ أن أستعيضَ عن أحلامي الخياليةِ  السابقة بقليلٍ من التجاربِ الحياتية.

لا أعتقدُ أني سأتوقفُ عن عادتي القديمة في إجراءِ هذه الحسابات، لكن يبدو أني سأضيفُ لها مفاهيمَ جديدةً بعد أن اقتنعْتُ بأهميةِ أنْ أقضيَ على هذه الآفة..  آفةِ العشرين! وليس بالضرورةِ أن تكونَ هيَ مفترقَ الطرقِ في الحياة، لأن كلَّ لحظةٍ تشعرُ فيها بأنك رجعْتَ إلى ذاتِك وتخوضُ تجربةً رائعةً وتنجزُ شيئًا بسيطًا.. كلُّ هذا مفترقُ طرقٍ، ولحظةٌ تومضُ في حياتِك لتضيءَ لك إنجازًا أسمى وأعظمَ لا أنت ولا أحدٌ يعرِفُ زمانَه ولا مكانَه.

ياسر مرعي
ياسر مرعي
- كاتب للقصة القصيرة ومدون مصري مهتم بالأدب. - طالب بكلية الأسنان جامعة طنطا بالفرقة الثالثة.

اترك تعليقا