صوت

غربة ووطن



ماذا لو أتيتُ إليك في يومٍ ربيعيّ تتهادى فيه نسماتُ الزهور كما لو كانت فاتنةَ زمانِها. وتداعبُ روائحُها وجوهَنا في لطفٍ ولين هامسًا لك في أذنيك قائلًا: غربة.

 

تنظر حولَك فإذا الربيعُ صار خريفًا، أغلقت الزهور أفواهَها وتوشحت السماءُ بالأسود !وزأر الهواءُ كما لو كان مجروحًا

 

كم من مرةٍ استوقفك لفظ الغربة (غ-ر-ب) كم مرة عددت أحرفها؟ ما الذي دارَ بخَلَدِك لحظةَ أن تخيلتَها؟

 

هل تخيلْتَ منزلًا مهجورًا تزيّن بالأسود حتى صار جزءً من  تفاصيلِه؟ أم تخيلتَ نفسَك تجري في مدينةٍ مهجورة لا تسمعُ فيها دبيبَ أحدٍ من الناس؟ تصرخُ فلا تسمع صدى لصوتِك، تبكي فلا يحنو عليك أحد تفرح فلا يشاركُك شعورَ الفرحةِ أحد.

 

هل تخيلْتَ لفظَ أن تمشي بين الناس لا يعرفُك أحد؟ أنت نفسك لا تعرفها! تمشي تصارع الهواءَ كي تحاكي الصراعَ القابع في غرفاتِ عقلِك.

 

تصارعُك الذكريات.. تصارعُك الأمنيات..تصارعُك لحظاتُ فشلِك وانكسارك. تصارعك لحظاتُ حبِّ من سكنوا القلبَ بلا موعدٍ ولا إيذان..

 

الآن.. لا تفكر في معناها سأريحك من تخيل هذا المصاب، دعنا نقومُ برحلةٍ داخل مغترب

 

قبل أن نغوص اعلم ياصديقي، لا يدخل دوامةَ الغربة محبًا لها.. هل سمعت يومًا عن طائرٍ نوى أن يهجرَ عشَّه أو يستبدله. أول ما يتعلمه الطائرُ لحظةَ أن تنفتحَ عيناه على هذه الدنيا هو كلمة وطن، يحركُ عينيه يمينًا ويسارًا وتسبحُ عيناه في الآفاقِ ليرى آفاقَ وطنِه ويَزُود عن عُشِّه بحياتِه إن كلفه الأمرُ ذلك بلا ترددٍ أو خِذْلان.

 

يدور رحى الزمانِ على أعناقِ الشباب.. على أعناقِ الأحلام.. على أعناقِ الورود التي تحملُ لَقاحَ مستقبلٍ مشرق لوطنٍ ليس له إلا الشباب.

 

دائمًا ما كانت تبحث الورود عن شعاعِ نور
في ستارِ الظلمات يتحسسون دفئَه من وقتٍ لآخر.

 

ولكن هيهات للظلامِ أن يرفعَ رقابَ الورود.
لم يتركْ الظلامُ للورودِ فرصةَ أن يرفعوا رقابَهم ليتحسسوا النورَ الذي بدأ هلالُه يتوافد وقتَ أن بدأ الظلامُ ينقشع.

 

لم ترَ الورودُ يومًا السماءَ.. لم ترَ النجومَ محلقة في ستائرِ الظلام باعثةً الأمل في قلوبِ الأشقياء.

 

في يومٍ ملأه السكونُ.. استيقظت الورودُ على صوتٍ قادم من السماء لم تستأنسْه آذانُهم بداية الأمر. رفعت الورودُ رقابَها حينها لترى النجومَ ترددُ حرية.. حرية.. حرية!
تحسسَتْ الورودُ حناجرَها فإذا هي تردد حرية.. حرية.. حرية! صارت الورودُ تتهافت حرية استيقظت الأشجارُ.. كبّرت المآذن.. غنّت العصافيرُ وتكلم الشارع!
قلب الشبابُ المؤود.. استيقظ فجأة وشعرت الورود لأول مرةٍ بخفقاتٍ تهزُ أركانَ جسدِها. استنشق الشبابُ الهواءَ المُحلَّى بكلمة حرية حتى ارتووا، وتهافت الشبابُ على قول حرية في وجهِ ستائر الظلامِ المبددة بحناجرهم وقلوبهم.

 

لم تعرفْ عيونُ الشباب يومَها للنومِ معنى.. كانوا يفكرون في الحرية كحسناءٍ أسرَتْ قلوبَهم يومَ أن تنادوا باسمها ولم يشأ الظلام يومَها  أن يرحلَ دون أن يترك نَدبَة في قلوب الورود ويذيقهم مرارةَ فقدانِهم لرفاقِهم.
وكانت هذه بدايةَ..
“الورد اللي فتّح في جناين مصر”

 

منذ أن انقشع الظلامُ أُقيمت الأعراسُ صارت الحرية هي وقودُ الناس. صار الناسُ يرددون لأول مرة لفظ الوطن.. المستقبل.. التقدم. صار الناسُ يرددون عيش.. حرية.. عدالة .اجتماعية.

 

انقشع الضبابُ عن وجوهِ الناس وصارت ضحكاتُهم تملأ وجوهَهم العابسة بفعلِ الزمان ظهرَتْ أعمارُهم الحقيقية، دبت نبضاتُ الشباب في أفئدتهم مرةً أخرى.
لم يلاحظ أحد أشبالَ الورود التي توسعَت مداركُها قبلَ أوانِها.. أطفالٌ قاموا ذاتَ ليلةٍ فقرروا  هجرَ الألعابِ وأفلامِ الكرتون ليصبحوا جزءً من العُرسِ الديمقراطي
الطارئ على أحوالِ البلاد.

 

أطفالٌ كانوا يتغنون بلفظ الحرية قبل أن تضافَ إلى قاموسِهم اللُغوي. كانوا يسألون آباءهم عن معناها فلا يجيبوهم ولا عجبَ فهي كلمةٌ طارئة أيضًا على قاموسِ الكبار.
هذا الجيل هو جيلُ الغربة الجيلُ الذي جنى ورودَه شوكًا وحصدَ الرَصاصَ أعمارَهم قبل مجيء موعد حصادِها. ومن لم تحصُدْه الرَصاصة، أكلَتْه نارُ الغربة فصار هشيمًا تذروه رياحُ المستقبل.
أحمد معدي
أحمد معدي
- كاتب ومدون مصري مقيم بتركيا. - طالب بجامعة الشرق الأوسط التقنية بتركيا - هندسة مواد وفلزات.

اترك تعليقا