صوت

نَـادِر


ولدٌ مهمل! هكذا كان يسمع “نادر” هذه الكلمة من بداية وعيِه بالكلمة ذاتِها في الصف الثالث الابتدائي وحتى سنة التخرج الصعبة في كليتِه “كلية العلوم”  التي دخلها بمحضِ إرادتِه على الرغم من مجموعِه الكبير في الثانوية العامة، ورغم إهماله الفظيع أيضًا!

 

نادر كان ذكيًا، ذكيًا جدًا.. يستطيع فهم المناهج الدراسية في أيام قليلة قبل الامتحانات، وتسجيل أعلى الدرجات.. وهذا كان يفاجئ زملاءه والمدرسين، إذ أنه طوال السنة من الطلبة “اللي على قد حالها خالص” وزادت حدة المفاجئة عندما استطاع تسجيل 98% في الثانوية العامة!!

 

نادر؟ نادر مكتئب، لا يهتم بملابسه، لا يستطيع الكلام بطريقة جيدة يباري بها نكات أصحابه، ولا يستطيع أن يلعب أي لُعبة بمهارة عالية، لذا نادر يرى نفسه شخصًا ضعيفًا وغبيًا، مع أنه -ورب الناس- ذكي.. وذكي جدا.

 

“لا أدري ماذا يحدث لي! إذا كنت ضعيفًا فكيف فعلت كذا وكذا، إذا كنت غبيًا فكيف لغبي أن يكون من أوائل مدرسته، كيف لغبي أن يحصل على الدرجات العليا في الرياضيات والفيزياء؟ أحس أن قدراتي عالية وضعيفة في نفس الوقت! أستطيع تأليف الشِعر على الرغمِ من أني لا أقرأ كثيرًا، أستطيع الرسمَ بشكلٍ يذهل الجميع مع عدم اهتمامي بالرسم.. أحب التدريس وتوصيل المعلومة أسهل شيء عندي.. على الرغم من كل هذا، أعاني في حياتي ولا أحس أيَّ طعمٍ لها!” -نادر يُحدّث نفسَه-.

 

إذن.. ما الخطب؟!
الخطب يا عزيزي أن نادر لا يسمع! لا لا، عنده حاسة السمع، لكنه لا يسمع! وعنده بصرٌ كامل متكامل، لكنه لا يحسن استخدامَه، ولديه مخٌ عبقري يجلب له الدرجات في “وقت الزنقة”.

 

مشكلة “نادر” أنه منشغل طوال الوقت بعقله يفكر كثيرًا، لا يهتم بأصحابه أو أهله، أناني جدًا في المشاركة الوجدانية، لم يحب ولم يعرف معنى الحب، إلا في مرة واحدة وانتهت سريعًا.. يظن أنه بعقله الذكي يستطيع عمل كل شيء ويستطيع التحكم بكل شيء.. لكن المسكين على الرغم من عقله النابغة فعلًا إلا أن معلوماته قليلة جدًا.

 

معلوماته عن نفسه! معلوماته عن العائلة، عن الزواج، عن معنى الصداقة.. نادر لم يكن يسمع أي شيء غير عقله النابغة فعلًا، لكن ماذا يفعل عقل “نابغة فعلًا” مع الجهل والمعلومات المشوهة؟

 

“وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ، فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ “…
ذنبهم أنهم لم يسمعوا، لو كنا نسمع أو نعقل.. ربط الله عز وجل العقل باستقبال المعلومات أولًا “بالاستماع”، بعدم “ركوب الرأس” والعناد، يا عزيزي نادر أو كل من عنده جزء من نادر.. استمع جيدًا، راقب الآخرين، اشعر بهم، لن تستطيعَ فعلَ كلِ شيءٍ بعقلك.. اسمعني!

 

أحمد أبو الجود
أحمد أبو الجود
طالب بالهندسة المدنية، مدون محب للغة العربية، مهتم للشعر والأدب.