فن

العائلة أولًا | COCO

بما يأتي يومٌ يتمُّ فيه إجبارُك على الاختيارِ بين أمرينِ، أحدُهم محلقٌ في الشمالِ والآخرُ غائصٌ في الجنوب، ولكن ليس عليك إلا أن تختارَ مُتحمِلًا الثمنَ في كلِّ ثانيةٍ تعيشُها بعدَ ذلك، وهذا ما حدثَ مع “ميغيل”  الشخصيةِ الرئيسة  في فيلم “coco”.

فيلم “COCO” من إنتاجِ بيكسار عام ٢٠١٧ ، وحقّقَ أعلى الإيراداتِ وهي الأعلى في تاريخِ أفلام الأنيميشن، وحاز على إعجابِ النقادِ والجماهير بجانبِ أنه لفتَ أنظارَ الجوائزَ إليهِ بشدة، حيث حصلَ على جائزتي أوسكار -أفضل فيلم أنيميشن وأفضل أغنية أصلية- بجانبِ حصولِه على جوائزَ أخرى في مهرجاناتٍ مختلفة.


من النادرِ أن نرى الرواجَ على فيلم أنيميشن بهذا الشكلِ من محبي الأفلامِ، فدائمًا الفيلمُ الحائزُ على إعجابِ أكبرِ عددٍ من جمهورِ السينما هو الذي استطاع أن يحلَّ المعادلةَ الصعبةَ ويفُكَّ شفرةَ الجماهيرِ سواء كانوا مولعين بالأفلامِ أو متابعين عاديين؛ حيث تعددت عناصر تميز الفيلم دون خللٍ، فتجدُه في النهايةِ متوافقًا مع أغلبِ الأذواقِ وأنه لأمرٌ واللهِ لو تعلمون عسير.

فلو بدأنا الحديثَ عن القصةِ بصفتِها العنصرُ الأهمُّ في أيِّ عملٍ فنيِّ -بالنسبةِ لي على الأقل- فأكثرُ ما نحبُّه هو أن  تكونَ القصةُ مؤثرةً ذاتَ قيمةٍ ورسالةٍ ونهايةٍ سعيدةٍ، تحوي بين طياتِها الكوميديا الموفَّقةَ والعاطفةَ المحكمة، وهذا ما حدثَ في “كوكو”، على الرغمِ من التخبطِ الذي حدثَ في النصفِ  الأولِ من الفيلم، ربما حينها تترددُ في فهمِ الرسالةِ الحقيقيةِ للفيلم -أنا نفسي فهمتُ الرسالةَ خطأً  في البداية- إلى أن تأتيَ إلى الربعِ الأخيرِ من الفيلمِ لتعيشَ أجملَ أوقاتِ حياتِك مع فيلم أنيميشن وربما مع أي فيلمٍ بشكلٍ عام، وستكونُ حينها تأكدْتَ من فَهمِك للرسالةِ جيدًا ووصلْتَ لقمةِ تأثُّرِك بالفيلم .

والحبكةُ الرئيسيةُ التي استخدمَها “أدريان مولينا” و”ماثيو ألدريتش” -كاتبا السيناريو- ليوصّلا رسالةَ الفيلمِ  الرئيسية -الترابطُ العائليُّ- وهيَ أنّ إحياءَ ذكراك في عالمِ الأحياءِ هو صمامُ الأمانِ لبقائك في عالمِ الأمواتِ وإنْ تمّ نسيانُك تمامًا في الدنيا فسترحلُ وكأنك لم تكنْ، وهكذا رسّخ الفيلمُ بقوةٍ أهميةَ العائلةِ وترابُطَها في عالمِ الأحياءِ، فهناك هدفٌ أسمى من ذلك وهو عالمُ الأمواتِ حيثُ الدوام والبقاء لا الذهاب بلا عودةٍ؛ فالعائلةُ فقط هيَ من تستطيعُ أنْ تحملَ رايةَ ذكراك إلى الأبدِ.

ِنأتي للمتعةِ البصريةِ،  فمشاهدُ الفيلم كانت مغذيةً بصريًا بشكلٍ عظيمٍ سواء كنّا في عالمِ الأحياءِ أو عالمِ الأمواتِ كما جاء في الفيلم، بفضلِ مصممِ الإنتاج ” هارلي جيسيب” والمصور السينمائيّ “دانيال فينبيرج”.

 


الموسيقى والأغاني بقيادةِ الموسيقار ” مايكل جياكشي”،  ستستمتعُ ببعضِ مقطوعاتٍ من الأغاني في هذا الفيلم أكثرَ من رائعةٍ، فلم يكنْ مفاجئًا فوزُ أغنيةِ “Remember me” من الفيلم بأوسكار أفضلِ أغنيةٍ أصليةٍ، لو أضفنا على ذلك الجملَ الحواريةَ في الربعِ الأخيرِ من الفيلم والتي كانت مُؤثِّرةً ومُوفَّقةً جدًا، ستجدُ نفسَك قد استمتعتَ تجرِبَةٍ سمعيةٍ بشكلٍ ثريِّ.

 

تلك أهمُّ العناصرِ الأساسيةِ التّي جذبتني حبًا في هذا الفيلم، وإذا تأمّلنا في الأمرِ قليلًا في دنيا الواقعِ لا في دنيا “coco“، فسترى أنّ ما تعطيه العائلةُ لا يعطيه أيُّ شخصٍ آخر، ولو كان أقربَ أصدقائِك، فعليك أن تتقربَ من عائلتِك جيدًا، وأن تُصلِحَ ما تمّ إفسادُه سابقًا، فدائمًا ستسمحُ عائلتُك أنْ تصلحَ ما أفسدْتَه متى تشاءُ دونَ قيودٍ أو شروطٍ -العائلةُ فقط من تفعلُ ذلك- فهُم سلاحُك الحقيقيُّ الدنيا، أو كما قال “ميغيل” في آخر الفيلم “العائلة أولًا”.

 

محمد السعدني
محمد السعدني
طالب بكلية الهندسة المدنية جامعة طنطا، مهتم بالفن والسينما.

اترك تعليقا