فن

كيف تتخلصُ من قلقِ ضياعِ وظيفة؟ | زهرة الصبّار


دقّت الساعةُ العاشرةُ صباحًا، رنّ منبهُ هاتفي المحمولِ ليخبرني أن يومًا هامًا قد بدأ.. اليومُ الذي انتظرتُهُ منذُ أكثرَ من ثلاثين يومًا والذي مهدتُ لانتظارِه خمسةَ عشَر عامًا من سنواتِ التعليم، اليومُ هو مقابلةُ العملِ الأخيرة بيني وبين عددٍ من كبارِ مهندسي إحدى شركاتِ المقاولاتِ العملاقة في الشرقِ الأوسط بعدَ أكثرَ من شهرٍ من الاختباراتِ والتصفياتِ المتتالية، الأمرُ الذي كان بالضرورةِ صعبًا إلا أنّه لم يخلُ أحيانًا من تدخلِ بعضِ الوساطةِ لهذا أو ذاك،  نهضْتُ مسرِعًا من فراشي بعد أربعِ ساعاتٍ فقط من النومِ لانشغالي بالأمسِ في التحضيرِ للمقابلة، الحقيقةُ أنني بمجردِ أن رفعْتُ غطائي  حضرَتْ إلى ذهني خطتي التي أعدَدْتُها للتنزهِ في القاهرة بعد انتهاءِ المقابلة، سواء  نجحْتُ فيها أو لم أنجحْ في كل الأحوال لديّ ما يكفيني من الدوافعِ والمبرراتِ لأرغبَ في اصطحابِ فتاةٍ جميلةٍ عذبةِ الملامحِ تقاسيمُها هادئةٌ وروحُها لطيفةٌ إلى إحدى دُورِ السينما، ليس شرطًا أن تكونَ ناقدةً سينمائية ولا أن تتمتعَ بتذوقٍ  فلسفيٍّ لكلِّ ما تراهُ على الشاشةِ لكن شرطي ألا تكونَ مُدّعِيةً أو مزيفةً وهذا هو الأهم.

الحظُّ -الذي لم اعتادْ ابتسامَته- فاجأني  في هذا اليومِ الذي سأسجله جيدًا في ذاكرةِ الأيامِ الحلوة وقررَ أن يصالحَني فكانتْ مقابلةَ الوظيفةِ على أفضلِ ما يكون أو هكذا أظنُّ، وكانتْ “آيات” خيرَ جليسٍ وأنيسٍ في حضرةِ فيلم اليوم «زهرةُ الصبارِ» تقابلْنا قبلَ بدايةِ العرضِ بحوالي أكثرَ من ساعةٍ وبعدَ السؤالِ عن الأحوالِ دار بيننا النقاشُ عن كلِّ ما نحبُّه في السينما وعن مستقبلِ السينما في مصرَ وخصوصًا السينما المستقلة التي ينتمي لها «زهرةُ الصبارِ» والتي لا تعتمدُ في صناعتِها على نفسِ معاييرِ الأفلامِ التجاريةِ من حيثُ البناءِ الدراميِّ للقصةِ وعناصرِ التشويقِ والصراعِ والحسمِ وأيضًا من  حيثُ تكنيكِ التصويرِ واختيارِ الكادراتِ والإضاءة، كما تتميزُ السينما المستقلة باعتمادِها على الموهوبين الجُددِ فتمنحُهم فرصةَ الظهورِ على الشاشةِ لأولِ مرةٍ.

مراجعة فيلم زهرة الصبار


شاهدنا الفيلم وبعد الانتهاء شعرنا بخفةٍ في الوزن ورغبةٍ أكبرَ في الإقبالِ على الحياة فقررنا التقاطَ بعضِ الصور للذكرى وفرغنا إلى أحدِ المقاهي القريبة نتناول بعضَ القهوة ونُكملُ حديثَنا عن الفيلم.. ولا أخفيك سرًا يا صديقي أن هذه اللحظاتِ تحديدًا تقتلني عشقًا أكثرَ حتى من لحظاتِ المشاهدة في السينما التي لا يناظرُها شيءٌ أفضلُ من النقاشِ الممتعِ حولَ الفيلمِ وتبادلِ الآراءِ وزوايا التفكير..

قلْتُ: يمكننا أن نرى الفنَّ عمومًا في قالبين اثنين؛ إما أن نرصدَ به الواقع بحكاياتِهِ وتفاصيلِهِ وأحداثِهِ وشخصياتِهِ والآخرين.. أو أن نرصدَ به ذواتَنا وما يدورُ بداخلِنا من خيالاتٍ وهواجسَ وأحلامٍ وذكرياتٍ وضجيجٍ دونَ أيِّ صلة لذلك بالواقعِ إلا في ما يستدعيه النصُ.

هذا ما اعتدنا عليه، أما في هذه المرةِ قرر الفيلمُ أن يمزجَ بين الأسلوبين في عقلِ “عايدة” بطلةِ الفيلم التي تلعبُ دورَ ممثلةٍ تحبُّ التمثيلَ وترى فيه حياتَها ومستقبلَها التي ضحَّتْ بكليةِ الطبِّ من أجلِه بعدما التحقَتْ بها عامًا كاملًا..

بينما نحن مشغولون بمتابعةِ سيرِ الأحداثِ التي تبدو عاديةً جدًا ويوميةً مكررة، ينقلُنا صناعُ الفيلم إلى كادرٍ من داخلِ عقلِ عايدة  تتخيلُه هي في شكلِ مشهدٍ مسرحيٍّ مُسقَّطٍ على ما يحدثُ لها في حياتِها الحقيقية مع جارتِها العجوزِ التي تجسدُ الماضي وما يحملُه من ذكرياتٍ جميلةٍ بعدما أصبحَتْ الآنَ وحيدةً لا دخلَ لها والتي تتولى عايدة رعايتَها بعدما قامَتْ صاحبةُ البنايةِ التي تسكنُ بها عايدة  بمفردِها بطردِها من البيتِ هيَ وجارتِها العجوزِ  بصحبةِ حمزة الشابِ الصغيرِ الذي يجسدُ المستقبلَ والذي كان يعرفُ عايدة ويميلُ لها في صمتٍ  لتبدأَ رحلتُهم في البحثِ عن مكانٍ للعيشِ به لتكشفَ لنا هذه التجربةُ فيما بعد عما تعانيه كلُّ فتاةٍ مستقلةٍ تبحثُ عن شغفِها في الحياة وتحاولُ تحقيقَ ذاتِها وحُلْمِها.

تصتدمُ عايدة  بالمجتمعِ الماديِّ الرأسماليِّ الذي لا يعطي فرصةً للفقراءِ أو الضعفاءِ وخاصةً الموهوبين، تصتدمُ أيضًا بعاداتٍ وتقاليدَ باليةٍ وتصوراتٍ كوَّنها المجتمعُ عن كلِّ فتاةٍ تختارُ أن تستقلَّ بذاتِها وتختارُ لنفسِها الأسلوبَ الذي تعيشُ به، تصتدمُ في منامِها بذكرياتِ طفولتِها في القرية قبلَ قدومِها إلى القاهرة -مدينةِ اغتيالِ الأحلام- تصتدمُ بالمثقفِ والكاتبِ المُدعِي الذي لا يعرفُ معنىً للحب الذي كُتِب عنه مئاتَ الصفحاتِ وآلافَ الكلمات.. ليس هذا أصعبُ ما في الحياة، الأصعبُ أن تُصدَم بهذا كلِّه وأنت وحيدٌ لا تجدُ مَن يساند، لا تجدُ من تدعوه على حفلٍ في السينما لأنك عاجزٌ عن التخلصِ من التوترِ الذي سببته لك مقابلةُ الحصولِ على وظيفةٍ علّقْتَ عليها آمالَ الأمانِ الماديِّ حتى تتمكنَ من ممارسةِ هوايتِك وشغفِك الحقيقيّ في الحياةِ دون ضغوطٍ، دون أن تكونَ مُهدَّدًا بالطردِ من مسكنِك.. أو مُهدَّدًا بعدم قدرتِك على دفعِ ثمن تذكرةِ السينما وكوبِ الشاي الذي يَليها وأنت تحكي كيف كان الفيلمُ منبهرًا…

هذه هي حكايةُ عايدة أو جانبًا منها على ما أتصور.. الأكيد أنه الجانبُ الأكبرُ الذي يشتركُ  فيه معظمُ هذا الجيلِ ممن يريدون أن يمارسوا شغفَهم الخاص دون ضغوطٍ تحت غطاءٍ بسيطٍ من الأمانِ الماديّ. ربما يكونُ الفيلمُ جديرًا بأن تُوجَّه إليه بعضُ الانتقاداتِ الخاصة بضعفِ الجملٍ الحوارية التي كان من الممكن أن تكونَ أقصرَ وأكثرَ تركيزًا على المعنى أو الإسقاطِ المطلوب كما كانت بعضُ الحواراتِ مقحمةً داخلَ النصِّ بشكلٍ فيه بعضُ السلطوية وفرضُ الرأيِ، لكننا اعتدنا أن نقولَ ما نقولُه عن الفيلمِ ثم نتقبلُه كعملٍ متكاملٍ بكلِّ عناصرِه وليس شرطًا أن نتفقَ مع صناعِ الفيلم في كلِّ ما قدموه، لكننا لا يسعنا سوى شكرُ كلِّ مَن يحاربُ من أجلِ خلقِ مساحةٍ  لعملٍ مختلف وتسليطِ الكاميرا على نماذجَ مختلفةٍ تعيشُ بيننا ولا نراها.

وأعتقد أن هذا دورُ الفنِّ والإبداعِ بشكلٍ عام. كما لا يسعنا سوى شكرُ كلِّ شركاءِ لحظاتِنا الجميلةِ التي تتخللُ حياتَنا المرهقة. أنهيت يومي وأنا سعيدٌ وشعرْتُ أنّ روحي تتنفس وأنّ عينَيّ تبحثان عن الجمالِ في كلِّ ما يحاوطني وانتابَتْني حالةٌ أشبهُ بالتصوفِ قرَّرْتُ على إثرِها أن أكتبَ هذه السطور.

 

الكلمات الدلالية
همام محمد
همام محمد
مهندس مدني ومدون مهتم بالفن والسينما.

التعليقات مغلقة